جميل السلحوت
عن دار الرّعاة للدّراسات والنّشر في رام الله، ودار جسور ثقافيّة للنّشر والتّوزيع في عمّان صدرت عام 2017 الطّبعة الأولى لرواية” ذاكرة الملح” للأديب أسعد الأسعد، وفي العام 2019 صدرت الطّبعة الثّانية عن داري النّشر كلتيهما. وتقع الرّواية الّتي صمّم غلافها رامي قبج في 107 صفحات من الحجم المتوسّط.
يكتب الأديب الأسعد على مدخل الرّواية” كلّ تشابه بين ما ورد في الحكاية، وبين ما جرى لابن عمّ لي وزوجته هو صحيح، غير أنّ التّشابه لا يتعدّى الإطار العامّ للحكاية، أمّا التّفاصيل فلا شأن لأحد بها” ص5. وبهذا التّوضيح فإنّ الكاتب قد قطع الطّريق على أيّ قارئ ومنعه من التّفكير عن أنّ الرواية خياليّة، بل هي واقعيّة في جوهرها، وما الخيال فيها إلّا سرد؛ كي يقدّم الأديب مضمون النّصّ كرواية. وقد جاء تصنيف النّص كرواية على الصّفحة الثّانية، ولم يذكر ذلك على الغلاف. وقد وصف الكاتب هذا النّصّ في تمهيده له بأنّه حكاية مرّتين، فها جاء هذا الوصف عفويّا أم مقصودا من الكاتب؟ وأثناء قراءتي للنّصّ ألحّت على ذاكرتي حكاياتنا الشّعبيّة الّتي فيها من المغامرات ما فيها، وبعضها يحمل مضامين خرافيّة.
ما علينا! سنعود إلى النّصّ الّذي يتحدّث عن معاناة ومكابدات اللاجئين الفلسطينيّين في النّكبة الأولى، هؤلاء الّذين شُرّدوا من ديارهم بسبب ويلات الحرب؛ ليصبحوا بين ليلة وضحاها لاجئين في مخيّمات. وبطل الرّواية عبد الرّحمن لجأ وعائلته إلى مخيّم الكرامة في الأغوار الشّرقيّة، وعندما ذهب إلى دكّان في المخيّم؛ ليشتري ملح الطّعام لوجبة تعدها زوجته فاطمة على النّار التقى بأحد وجهاء المخيم، وشكا له من الحاجة والعوز بسبب عدم وجود عمل يقوم به، اصطحبه الوجيه معه إلى الشّونة الشّماليّة؛ ليعمل في مزرعة صديقه ” أبو سعيد”، وهناك تسلّق ساق شجرة نخيل؛ ليقطف عناقيد ثمارها، فسقط على الأرض وأغمي عليه، فنقله” حاتم” أحد العمّال إلى عيادة صحّية بدائيّة في البلدة، ومن هناك نقلوه في سيارة” بك أب” قديمة إلى أمّ قيس، ومن هناك نقلوه إلى مستشفى اربد، وهناك استيقظ من الإغماء فاقدا ذاكرته، فأعاده زميله حاتم إلى مزرعة أبي سعيد؛ ليعمل وليتعرّف من جديد على الآخرين دون أن يتذكر أحدا أو شيئا من حياته قبل الحادث، وبعد سنوات تزيد على الخمسة عشر عاما تزوّج من امرأة عانس، وأنجب منها طفلا ماتت عليه أثناء المخاض؛ ليبقى الوليد في رعاية جدّه لأمّه. وبعدها عادت إليه ذاكرته فعاد إلى مخيّم الكرامة حيث ترك زوجته وطفليه حاملا معه ملح الطّعام.
هذا ملخّص سريع لمضمون النّصّ. ويلاحظ القارئ أنّ الأسلوب الحكائيّ قد طغى على السّرد.
وسيلاحظ القارئ أنّ الكاتب قد وقع في مطبّات سرديّة كان بإمكانه تجاوزها لو راجع ما كتب، فمثلا جاء في الصّفحة 40:” لم تذهب فاطمة إلى المدرسة، حين تأسّس المخيّم بعد نكبة عام 1948.” وفي الصّفحة الّتي تليها جاء:” كان والد فاطمة يردّد أمام الجميع: مدرسة المرأة بيتها.” وجاء أيضا:” لكنّ والد فاطمة منعها من التّردّد على صفّ محو الأمّيّة، معتبرا ذلك مفسدة.” وجاء في الصّفحة 44 عن فاطمة:” فهي المرأة الفلّاحة البسيطة، الّتي لم تتح لها الظّروف سوى إنهاء الصّفوف الأولى في مدرسة مخيّم الكرامة.” فكيف حصل ذلك؟ وحين اختفي عليّ بن فاطمة وعبد الرّحمن؛ ليتبيّن لاحقا أنّه ذهب ليبحث عن أبيه:” ذهبت إلى دكّان والدها…..وأجهشت في البكاء أمامه عاجزة عن الكلام، فيما كان صغيرها أحمد يتبعها ممسكا بطرف ثوبها، وحين عجز عن دفعها إلى الإفصاح عمّا حدث، توجّه إلى أحمد علّه يفهم الأمر”.ص72. ويلاحظ هنا عدم صياغة الجملة قبل الأخيرة بشكل صحيح، فالّذي عجز هو والدها لكنّ الضّمير المستتر فاعل عجز يعود إلى صغيرها أحمد.
والسّؤال هنا هو: هل كانت نهاية الرّواية مقنعة؟ فهل يُعقل أن تسأل زوجة زوجها العائد إليها بعد ضياع هذه السّنوات:” لماذا عدت؟ ماذا تريد منّا بعد هذه السّنين؟”ص107. وهل يُعقل أن تخاطبه بعد كلّ هذا الغياب:” ليتك متّ، كنّا نسيناك وترحّمنا عليك، فلماذا عدت بعد كل هذه السّنين؟” ص107.
15-9-2026










