جميل السلحوت
عن مكتبة كل شيء في حيفا صدر قبل أيّام قليلة كتاب محمود شقير” الكتابة مهنتي…الكتابة حياتي”. ويقع الكتاب الّذي صمّمه وأخرجه شربل الياس في 328 صفحة من الحجم المتوسّط.
ويجدر التّذكير هنا أنّ الأديب شقير الّي بدأ كتابة القصّة قبل ستّة عقود ونصف في مجلّة الأفق الجديد الّتي صدرت في القدس في ستّينات القرن العشرين، وكان يرأس تحريرها الرّاحل أمين شنّار، لا يزال يمارس الكتابة والمطالعة بهمّة ونشاط رغم بلوغه السّادسة والثّمانين من عمره، ونتمنّى له العمر المديد والحياة السّعيدة.
وقد صدر للأديب شقير حوالي مئة كتاب في مختلف الأصناف الأدبية باستثناء الشّعر. وقد تعدّت شهرة الأديب شقير الأدبيّة السّاحتين المحلّيّة والعربيّة إلى العالميّة، وتُرجمت له عشرات الكتب إلى أكثر من لغة أجنبيّة.
وواضح أنّ الأديب شقير الّذي يفضّل أن يوصف بالقاصّ مغرم بأدب السّيرة، فها هو كتابه الثّاني عن تجربته الكتابيّة بعد كتابه الأوّل” أنا والكتابة” الصّادر عام 2018. كما صدر له كتابان آخران عن سيرته الشّخصيّة، يضاف إليها عدد من كتب السّيرة الغيريّة. وكتب أيضا شيئا من سيرة مدينته القدس، خصوصا في كتابه ” ظلّ آخر للمدينة” و”القدس مدينتي الأولى” وفي مجموعته القصصيّة” القدس وحدها هناك”، وغالبيّة قصصه ورواياته تدور أحداثها في القدس.
ومحمود شقير إنسان متواضع تواضع العلماء، وتحضرني هنا مقولة للإمام الشّافعي- إن لن تخنّي الذّاكرة- يقول فيها:” يبقى العالم عالما حتّى يقول:” علمت” عندها يبدأ جهله”، والأديب شقير الّذي وصل إلى مرتبة أدبيّة رفيعة، لا يزال يعترف بعفويّة صادقة أنّه لا يزال يتعلّم وأنّه يخطئ ويصيب، وبهذا فهو يخوض التّجريب ويأتينا بشيء جديد يدهشنا. ويتحدّث عن صدقه في الكتابة فيقول:” وأشير إلى أنّني على امتداد علاقتي الطّويلة مع الكتابة، كنت معنيّا بأن أكون صادقا مع نفسي ومع القرّاء، ولم أحاول أن أبني لنفسي من خلال الكتابة هيبة مزوّرة، أو كيانا وهميّا مصاغا من تصوّرات هشّة كاذبة”. ص103.
ومحمود شقير كإنسان فلسطينيّ يعيش هموم شعبه ووطنه، تعرّض للاعتقال والتّعذيب والنّفي والإبعاد عن وطنه ما بين 1975-1993، وعانى ما عاناه في المنفى، وعاد إلى وطنه بعد اتّفاقات أوسلو، عانى كبقيّة أبناء شعبه من فقدان الأمن والأمان.
وفي كتابه هذا:” الكتابة مهنتي…الكتابة حياتي” يؤكّد محمود شقير من جديد أنّه يمتهن الكتابة، وأنّ الكتابة هي جنّته الّتي يسعد بها وهو يتجوّل في جنباتها. وقد عاد في هذا الكتاب إلى بداياته وإلى ما وصل إليه من نتاج أدبيّ في مجالات مختلفة من صنوف الأدب، وبعفويّة صادقة يشرح لنا بعض دوافعه لكتابة بعض المجموعات القصصيّة وبعض الرّوايات.
وفي هذا الكتاب يعرّج الكاتب على مأساة الهنود الحمر في أمريكا، وما تعرّضوا له من إبادة، خصوصا شعب الأزتيك، وقائده موكتيزوما الذي ذكره تودوروف في كتابيه” فتح أمريكا”و “نحن والآخرون” لمتابعة الأفكار العنصريّة المنبثقة عن الغزو الاستعماريّ، وهي الّتي تبرّر الإبادة الجماعيّة ولا ترى فيها جريمة منافية للقيم والأخلاق”.ص29. ويقرن ذلك بحرب الإبادة على قطاع غزّة. وهو في هذا المجال وفي مواقف أخرى من معاناة الشعب الفلسطيني يبعث رسائل للقائد موكتيزوما، يلومه فيها على سكوته أثناء غزو بلاده، فهل يعني الكاتب بهذه الرّسائل القيادات الفلسطينيّة والعربيّة؟
وفي حديث الأديب شقير عن رواياته وتحديدا عن ثلاثيّته يقول:” وانطلاقا من هذه الثّلاثيّة يذهب بعض النّقّاد إلى الجزم بأنّ رواياتي تحمل في طيّاتها سيرتي وسيرة عائلتي، وبرغم ما أمارسه من نفي لذلك فإنّ هذا الأمر يتكرّر لأسباب ربّما من بينها دقّة رسم الشخصيّات، بحيث تبدو كما أنّها تشير إليّ وإلى عائلتي” ص72.
ملاحظة: تحدّث الأديب شقير مطوّلا عن اختيار وزارة الثّقافة الفلسطينيّة له كشخصيّة العام 2026 الثّقافيّة، وهذا اختيار موفّق، لكن لا داعي لنشر التّهاني للكاتب بهذه المناسبة الّتي امتدّت على 25 صفحة من الكتاب.
والكاتب في هذا المجال لم يذكر شيئا عن جوائز مهمّة أخرى فاز بها، ومنها جائزة محمود درويش الّتي وصفها الكاتب في كتاب سابق له بأنََها أفضل من جائزة نوبل للآداب. وإذا كان الكاتب يهدف من عدم حديثه عن الجوائز والتّكريمات الأخرى الّتي حظي بها سابقا في هذا الكتاب؛ لأنّه كتب عنها سابقا ولا يريد تكرار نفسه، فقد جانبه الصّواب-حسب تقديري-.
11-8-2026










