نمر القدومي: رواية “زمن وضحة” ومحاربة الجهل

ن

لعلّ الروايات والحكايات من الحالات الإنسانية التي تحتضن بين طيّاتها نفس المشاعر على مرِّ التاريخ، مهما عاش التاريخ من تفاصيل، ومهما تغيّر عمر الشّخص الذي عايش وعايش تلك المراحل .

أمّا الأديب المقدسيّ جميل السلحوت فقد لاذ بنا إلى أجملها، ووضع أرواحنا وأجسادنا في خِضَمِّ رواية جديدة من سلسلة رواياته الهادفة “زمن وضحة” والتي تقع في 224 صفحة من الحجم المتوسّط والصادرة في حيفا عن دار النشر “كلّ شيء” لعام 2015.

إمتازت الرّواية بأسلوب الحوار المكثّف والمفصّل بلغة المكان، صَبَغَتها سهولة اللغة المحكيّة التي لم تخضع قصدا لقواعد العربية. اختار الكاتب شخصيّة “وضحة” لتكون رمز وعنوان روايته، تلك الفتاة الريفيّة التي تعيش في عائلة لها مشاكلها الفكريّة، وتحكمها قوانين العصبيّة القَبَليّة المتوارثة، والعادات السّيّئة المتخلّفة.. عائلة تسودها الأوامر السّاذجة إلى حدٍ كبير.

هناك شخصيّات عديدة في الرّواية كان لها دور واضح، أكثر من شخصية “وضحة”، إلاّ أنَّ الكاتب أعطى هذه الفتاة نصيب الأسد في كسب حياتها، والتي تزوجت من الأستاذ “سعيد” إبن العائلة الغنيّة، وانتقلتْ إلى حياة الرّخاء والثّراء على عكس بنات جيلها في قريتها.

تعمّق الكاتب في سرد كلّ كبيرة وصغيرة عن حياة القرية الفلسطينيّة في النّصف الأوّل من القرن العشرين، تكلّم عن الحياة البدائيّة آنذاك، واستفحال الخرافات وحياة الشّعوذة، بعيدا عن الفِكر الواعي والعلوم المتفتحة.. فحياتهم كانت مقيّدة ومنغلقة جدا، وتخضع لسيطرة كبير العائلة. كما أنّهم يعيشون تحت سطوة المجتمع الذكوريّ والتي لا زالت أذياله تقمعنا حتى يومنا هذا؟

وجد الكاتب في شخصيّة الطبيب “ممدوح” ذلك المُتنفّس الوحيد لتغيير حياة قريته نحو الأفضل، والذي بدوره هو وزوجته الحيفاوية الصّيدلانيّة  “ريتا” أحدثا تغييرا جوهريا بالنّهوض بأهل القرية، وذلك بعد أن غَصَّته فِكرة “العيب” بالتّداوي في المستشفيات وسقوط الضّحايا لتقصيرهم بالعلاج وإستخدامهم ” الكيّ بالنار” كعلاج؟

عنصر المفاجأة في الرّواية كان جميلا وممتعا، بحيث أزاح به الكاتب تلك الغشاوة الحزينة عن قلوب القرّاء .. فقصّة “بهية” العاقر تحوّلت من شفقة إلى فرحة عندما حملت بعد سبع سنوات من زواجها .. وقصّة “عارف” المجنون كانت لفتة ذكيّة من الكاتب حين تبنّاه الدّكتور ممدوح وأحسن معاملته وتعليمه ليخلق منه شخصيّة متنوازنة ومفيدة.

“زمن وضحة” التي لا ينقصها عنصر التّشويق حملت ومضات واشارات تذكّرنا بالنّكبة التي حلّت بشعبنا في العام 1948، والتّهجير واللجوء إلى المخيّمات، فخطفَت قلوبنا بذكر “يافا” وبرتقالها، وورود جبل الكرمل يحتضن “حيفا”  وذكريات بعض الشّخصيّات تلفحها دموع الحسرة.

القاريء للرّواية وتسلسل أحداثها والتّنقّل بين شخصياتها كلٌ بقصته المنفردة والمتشابكة مع الآخرين، يتمنى مُسبقا أن تسير الأمور بطبيعتها دون أيّ حادثة تُذكر لتكون النّهاية حميدة، وهذا ما حصل بالفعل. حتى أنَّ مصدر التّعنت والعصبيّة والعقول الشكاكة والمتحجّرة أمثال المختار “فرج أبو العلّيص” انتهت بالموت؛ لتقودتا الرّواية إلى حتميّة أنْ لا عائق أمام الإزدهار والتّقدم .

الرّواية لها أبعاد عديدة .. ففي تلك الحقبة من التّاريخ، حصلت في الوطن تغيّرات جذريّة ومفصليّة، أعقبها سواد حالك سيطر على حياة ومصير شعب بأكمله .

إنَّ حياة السّذاجة والجهل المستفحل، وضيق الفكر لدى الكثيرين كان عائقا كبيرا أمام النّصر، وأنَّ إستسلامهم لِما يسمى “الطابور الخامس” في ذلك الوقت، قضى على فكرة المقاومة إلاّ من رحم ربّي من المثقفين والمتعلمين.

الزّمن لم يكن في صالح القضيّة، فكان أيّ تردّد أو تقاعس هي بمثابة هزيمة. فمصير “وضحة” من الممكن أن ينقلب رأسا على عقب لو سبق إليها “أبو إسماعيل” بطلبها للزّواج من ابنه، وذلك بلحظات قليلة قبل الأستاذ “سعيد”، هنا لقطتُ أنفاسي لوهلة تعاطفا مع ذلك الانسان الذي يسير ثابت الخطى بفكره الرّاقي والنّظيف نحو حياة أفضل .

الأديب “جميل السلحوت” لم يبخل علينا في روايته هذه، فجاد بسيلٍ من الأمثال الشّعبيّة النّابضة والتي تُعطي نكهة عريقة للرّواية ونعتبرها جزءا من تراثنا .

٢٠١٥/١١/١٣

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات