اليوم السابع تناقش كتاب تحرير الشرق-نحو امبرطورية شرقية ثقافية

ا

القدس:10-2-2022 من ديمة جمعة السمان:

ناقشت ندوة اليوم السابع الثّقافيّة الأسبوعيّة المقدسيّة غبر تقنية”زووم” كتاب “تحرير الشرق-نحو امبراطوريّة شرقيّة ثقافيّة” للدّكتور إيّاد البرغوثي، صدر الكتاب الذي صمّم غلافه أحمد مشايخ عام 2020 عن المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر في بيروت، ويقع في 159 صفحة من الحجم المتوسّط.

افتتحت الأمسية مديرة الندوة ديمة جمعة السمان فقالت:

ترى، هل سنشهد في زمننا هذا تلك اللحظة الحاسمة التّاريخية التي سيتم فيها إنشاء تيّار ثقافي يعمل على إحياء الأجواء الثّقافية، واستنهاض طاقات المثقفين الغيورين على مستقبل الأمة على المستوى الإقليمي؟ هل سينجح المثقفون في إنشاء امبراطورية تعمل على تحرير الشّرق وتوحيده دولا وشعوبا، لتصبح أكثر تقاربا وتكاملا فتخلق توازنا استراتيجيا عالميا يذلل الصّعوبات، فتخرج من حالة الفرقة والتمزّق إلى حالة من الوعي الذي يحفظ كرامتها ويحد من استغلالها وتضمينها ضمن المشروع الامبريالي الغربي الصهيوني الذي يمتص دمها، وينتهك إنسانيّتها، ويجردها من خيراتها، ويتركها تابعا لا وزن له؟

 هل سيشهد زمننا إعادة صياغة مفهوم الأمّة بتصوّر جديد، يتجنب أخطاء الماضي، لا سيما التّنكّر لحقوق المجموعات الثّقافية الدينية والإثنية واللغوية وغيرها، الموجودة في الفضاء الجغرافي الممتد من المحيط إلى الخليج؟ هل سينجح المثقفون في تبني المشروع النّهضوي الدّيمقراطي الإنساني الحضاري التنويري القائم على قواعد وقيم حقوق الانسان والتّسامح والسّلام والمساواة والحريّات والشّراكة والعدالة والتنمية المستدامة للجميع على مستوى الشرق الأوسط قاطبة؟

كتاب تحرير الشّرق (نحو امبراطورية شرقية ثقافية) للبروفيسور إياد البرغوثي، ما هو سوى فكرة لمشروع ثقافي يشمل دول الشرق الأوسط وشعوبها، يهدف إلى خلق حالة من الوعي الاستراتيجي بهذه المصالح المترابطة فيما بينها، وطرق تحقيقها.

هي دعوة مفتوحة من مفكر فلسطيني لإعادة النّظر في كافة القنوات المنتجة للقيم، ورسم ملامح الهوية الواعية التي تجمع شعوب المنطقة، وتمهّد الأرضية الفكرية لها، ونشر الوعي وزج الثّقافة في معركة الاستقلال الحقيقي، والارتقاء بها إلى مستوى الاستخدام الاستراتيجي في الصراع، وإعادة كتابة التاريخ بصورة تسمح بإبراز الأدوار الحقيقية لجميع مكونات الأمة دون الانحياز لطرف على حساب الآخر، مع ضرورة تبني قضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين (نواة مشروع الأمة). ومن المؤكد أنه لن يكون هناك أقدر من المثقفين (المعنيين والجادّين) لحمل المشروع والعمل على إنجاحه.

فقد آن الأوان إلى العمل على خلق مشروع بديل يتّسع لجميع المكونات الإقليمية خارج دائرة التّصنيفات الضيقة، والانتماء (الهويّاتي) المحدود، خاصة بعد أن أصبحت منطقة الشّرق الأوسط مختبرا لتنفيذ مخططات صراع الحضارات والثقافات وغيرها من المفاهيم التي عملت على ترسيخ فوضى هدامة؟

  كتاب (تحرير الشرق) لم يكتف بالدعوة إلى ضرورة الوحدة، بل حذّر من خطورة عدم الوحدة وعدم التّحرر. كما أنه لا يقتصر على الدعوة للتغيير، بل دعا إلى فهم ضرورة “التغيير” والعمل على خلق واقع يسهل هذه العملية بهدف التطبيق، كي لا تقف عند المستوى التّنظيري، وتُقتل في مهدها.

فهناك أمران لا ثالث لهما: إما أن تصنع شعوب الشرق مشروعها الوحدوي لتضمن تطوّرها وتنميتها ونهضتها، أو تبقى تابعا وأداة يتم استغلالها وانتهاك إنسانيّتها لإنجاح المشروع الامبريالي الغربي الصهيوني من خلال أذرعها المختلفة التي زرعتها في الشرق. إذ أن الدولة “الوطنية” العربية غالبا ما تفتقر للحرية التي تتيح لها مواجهة أعدائها الخارجيين، فهي بالواقع ليس أكثر من كيان سياسي يبقى أسير ظروف نشأته. الدولة الوطنيّة تحتاج لمن يدعمها ويحميها، ولا يكون ذلك إلا بوحدة شعوب ودول المنطقة.

فمن سيلعب هذا الدور؟ ومن هي الدولة الأقدر على تبني المشروع الثقافي بعد المشروع الناصري الذي تقهقر بعد نكسة العام 1967؟ وبعد مبادرة (مثقفون من أجل التغيير عام 2017).

 من يمتلك الإرادة لإعادة توطين فكرة الوحدة، وترسيخ الهوية الواعية الجامعة لكل مكونات شعوب المنطقة؟

 ترى، هل سترى (الإمبراطورية الشرقية الثقافية) النّور؟ هل سيتحقق حلم وحدة الشرق الأوسط الكبير؟ أم هي أحلام يقظة نجترّها من وقت إلى آخر نعزّي أنفسنا؟ خاصة في ظل حالة اليأس التي يعيشها شعوب الشّرق وتكيفهم مع المعطيات على أرض الواقع، واعتبارها قدرا. وكذلك في ظل حضور المثقفين الخجول، الذين يكتفون بالتّنظير وإعطاء النّصائح والارشادات عن بعد، يترفّعون عن شعوبهم، ولا يواجهون حكوماتهم، ويأخذون موقفا سلبيا من الذّات، ثقافة ووعيا، ماض وحاضر ومستقبل، لتبقى إسرائيل هي الدّولة الوحيدة المستقرة في الشرق الأوسط، ماضية في تذليل كل عقبة تواجهها لتنفيذ مشروعها الصهيوني المدعوم من الدول الغربية التي تلتقي مصالحها معها، ليبقى الشرق بمثابة (الحمل) الضعيف الذي تتكاتف عليه (ذئاب) الغرب لتحقيق مصالحها وتمرير مشاريعها ومخططاتها الاستعمارية. ولا زالت شعوب الشرق ودولها ” تشاهد” ما يجري دون أي “قرار حكيم جريء” لاتخاذ موقف حاسم، يحقق لها السّيادة، ويؤهلها لاسترداد حقوقها بكرامة وكبرياء وعنفوان!

وقال د.صافي صافي:

التنور

إذا استطعت أن أحدد مراحل حياتي الفكرية، ربما أقول بأنني مررت بالعديد منها، وفي كل مرحلة أعتقد أنني وقفت على معرفة كلية لي وللناس، فأشعر بالنشوة، وأعيد وأزيد فيها، وأتأمل، وأفكر، وأطير مع السحاب، لأرى العالم من نقطة فوقه. أعتقدت أنني أمسكت بالحلقة المركزية للحياة، فباتت القضايا الأخرى مجرد حبات سلسلة مسبحة، وشواهد ومئذنة، وشرشوبة. مررت بالإيمان الديني، وبالقومي، وباليساري، وبالإنساني. سقطت كلها في ذهني، فمن قال إن هناك إنسانية حتى في العلوم؟ هناك إنسانية متوحدة مع مصالح تلك الدول التي تدعو إليها، وإن كنا قد تبنيناها في مرحلة سابقة، من أجل أن نشعر بإنسانيتنا، من أجل أن نشعر بأننا جزء من هذا العالم، لكن مشكلتنا لم تنته، ولا يبدو في الأفق أن “الإنسانية”، ستحل لنا عقدتنا التي طالت منذ أكثر من قرن. على العكس من ذلك تبدو عقدتنا أصعب على الحل من أية مرحلة سابقة، وهذا ما يدفع الكثيرين للإحباط واليأس، والهجرة إلى العالم “المتقدم”، واكتساب أفكاره إلى حد ما، على اعتقاد منهم أنهم يرون العالم من نقطة أعلاه، وتحت شعارات الموضوعية أحياناً، فليس هناك موضوعية، ولا العلماء موضوعيون، بل نتاج سياقات ثقافية محددة وإن اتسعت.

في هذا الكتاب “نحو إمبراطورية شرقية”، وجدت نفسي أيضأ، وأرجو أن تكون مرحلة تنوير أخرى من تلك المراحل التي مررت بها، فهناك محاولات عديدة جرت في الواقع، للبحث عن الخروج من المآزق، دون نتيجة واضحة، وبات الفكر الفردي هو الذي يحكمنا، ويحكمني، حتى بت خرزة في المسبحة، تلامس أصابع المُسبِح، لتنتقل إلى الخرزة التي تليها، وتعود ثانية بحال مختلف قليلاً، وكأني أنتظر هذه الأصابع لأشعر بالدفء أحياناً وبالعبث أحياناً أخرى. وأسأل نفسي بعد عقود ست، لماذا تخلينا عن ما كنا نؤمن به؟ لماذا لم أر ذلك من قبل؟

في مرحلة ما، أعجبت ب “الطاوية”، وبال “ين يانج”، حيث الثنائيات القديمة (إيجابي سلبي، ذكر أنثى، صباح مساء، فعال غير فعال، شمس قمر، منطق حدس، ساخن بارد، صلب لين، …الخ)،  

إنها تشكل إنارة مهمة كما ورد في الأديان، لكن الأمر في الصورة أنك تتحرك طوال الوقت مثل السمكتين في الدائرة، منشغل طوال الوقت، دون أن تدري لماذا، وحتى تعرف ذلك لا بد من أن تصعد إلى السطح، وترى كينونة هذه الحركة، وهو ما يدعونه في التربية والفلسفة بالتأمل، والتأمل هو أن تستغرق بالتفكير في مآلات الحركة، وإلى أين تقودك، فليس المهم هو النشاط والتحول والتغير، بل الأكثر أهمية هو مصير هذا النشاط كله، وهل ما تقوم به من نشاط فاعل حقاً وفي أي اتجاه؟

الوعي

دون أن ندخل في الفلسفة رغم أهميتها، فإن النتيجة النهائية هي الوعي، وادراك ما يحدث، وهذا ما يدعو إليه د. البرغوثي، وكان مفكرون عرب كثيرون قد أشاروا إلى ذلك منهم عبدالله عبد الدايم (الوطن العربي والثورة)، ومصطفى حجازي (سيكولوجية الإنسان المقهور)، ومحمد عابد الجابري (بنية العقل العربي)، وآخرون. يشير عبد الدايم، بأن الوضع في عالمنا لا يحتاج إلى إصلاحات، بل إلى ثورة، ويشير حجازي أن الوضع الثقافي والسلوكي في الوطن العربي كارثي، ومن الصعب النهوض ثقافيا، كما يشير الجابري أن المدخل للتغيير هو ثقافي.

في هذا الكتاب “تحرير الشرق: نحو إمبراطورية شرقية ثقافية” الصادر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” سنة 2020، ويقع في 160 صفحة، يطلق د. البرغوثي حملة وعي ثقافية، بل يجعل الوعي، هو الأساس الذي يمكن أن يخط طريقاً للسلوك والتغيير، ويمكن أن يشكل رافعة لمرحلة جديدة، وأكيدة للمعتقد والتغيير.

مشروع

من السهل القول بأننا نتعرض إلى ظلم، خاصة نحن الشعب الفلسطيني، ومن السهل القول بأننا تعرضنا لعدة مؤامرات عالمية ومحلية، ومن السهل أن نتعلق بأوهام الحلول الغيبية في معظم الأحيان، والواقعية الجزئية في قليل منها، ومن الواقعية أن نقول بأن طريق التغيير والتحرر والانعتاق طويل وشاق، لكن ما هي مرتكزات كل ذلك؟

لنعترف أولا بأن الشرق سهل السيطرة عليه، وهو محط أنظار الطامعين من كل حدب وصوب، ليتحول إلى منطقة صراع واضحة للقاصي والداني، وهناك أمثلة واضحة على ذلك منها لبنان، كجزء من بلاد الشام، ومدخل أيضاً لما حوله، البعيد والقريب. لكن المثال الأكثر وضوحاً هو فلسطين، الذي تعاون فيه الأشقاء والأقربون مع خطط استعمارية بعيدة المدى، ولا غرابة أن تظل هذه الدول المتخلفة في ذيل دول العالم، فليس هناك نهضة في أي مجال، لا اقتصادي ولا ثقافي ولا اجتماعي، رغم بعض الظواهر الشكلية في بعض الدول كالنهضة المعمارية، أو الاستهلاكية.

إن هذا الوضع لم يكن فقط نتيجة ممارساتنا، شعوبا وحكاما، بل هو نتيجة المشروع الغربي الواضح، وما الحديث عن “إسرائيل” إلا بداية المشروع، فلم تتوقف الرؤية الغربية بإقامتها، بل ما زالت خطة طريقها سريعة الأثر بتغييرات متلاحقة، ليس آخرها التطبيع الذي نشهد بداياته العلنية الواسعة، بل هناك حملات لتغيير المناهج والسلوكات التي ليس لها علاقة بالشرق ولا بالدين ولا بالقومية ولا بالإنسانية. ولا تجد مثل دولنا سوى الاستجابة الخجولة أحياناً والراكعة أحياناً أخرى، والمتمنعة وهي راغبة في بعض الأحيان.

“في الهم شرق”

“كلنا في الهم شرق” أو “في الشرق هم”، فلم يعد هذا المشروع حبيس أدراج، بل نعيشه يوماً بيوم، ونشهد بعض ملامح تطوره واتساعه، ونحن لا نملك في مواجهته شيئا سوى بعض المؤتمرات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ولم تعد منطقة بعينها هي المستهدفة، فليست بلاد الشام وحدها، ولا دول الخليج العربي وحدها، ولا المغرب العربي، ولا آسيا بحد ذاتها، ولا افريقيا، بل هي كلها مع تقاطعات دول أخرى نهضت في فترة أو حاولت، ثم عادت فانتكست، أو استطاعت الإفلات وما زالت تحاول.

إن الوعي بأننا في الهم شرق، يعني أن نبحث عن مصادر قوتنا، ليس للنهوض بالتحديد، فهذه مرحلة لاحقة وموازية، ربما، لوعينا لحالنا، مرحلة موازية للدفاع عن أنفسنا، عن حالنا، عن حاضرنا ومستقبلنا، أن نعي هذا المشروع، ودورنا في صياغة هوية شرقية، تحاول أن نشكل فيها قوة. إذا ما وعينا ذلك، فربما نستطيع تشكيل امبراطورية شرقية ثقافية فاعلة للتغيير. باختصار: إذا كنا كلنا في هذا الشرق نواجه هذا الخطر، فما المانع أن نتوحد على أسس واضحة؟ وهل هناك أهم من مواجهة الأخطار العميقة التي تطال جذورنا وقشورنا؟

ما يفرقنا وما يجمعنا

نفترق كثيرا في الأيدلوجيا، وفي القوميات، والاثنيات، والديانات، والطوائف وتفرعاتها، وهذا ما يعمل عليه أصحاب “المشروع” من أجل زيادة الفواصل بيننا، فتتحول إلى حروب وصراعات دائمة، كما السمكتين في دائرة “ين يانغ”، لكن هذه الصراعات لن تؤدي إلا إلى مزيد منها، لنغوص في تفاصيل التفاصيل، ونعيش على انتصارات وهمية، تخترق الحدود الوهمية الداخلية، والخارجية، والأمثلة عديدة وتتعدد.

لكن ما يجمعنا هو كوننا مستهدفين في ثرواتنا وثقافتنا وحتى في حدود دولنا الوهمية التي باتت مع الزمن من المقدسات. ما يجمعنا هو وعينا للمشروع الذي يستهدفنا لنظل في الدائرة المغلقة، وعينا بأننا نرفض هذا المشروع، ونريد أن نبني مشروعنا نحن، مشروع التحرر من المشروع النقيض.

إن وعينا بهذه الاختلافات، واستيعابها، واستيعاب حالنا، يزيح هذه الخلافات جانبا، وهي جانبية على كل حال، ولنبحث عمّا يحمينا، ويعيد لنا كرامتنا، فكل هذه الاختلافات هي الأخرى عناصر ثراء لنا. فليس المطلوب أن يتخلى أي من معتقديها عن ثوابتهم، بل أن يرسموها ضمن إطار الدفاع عن النفس، وعن رسم طريق التحرر والانفلات منها.

امبراطورية شرقية ثقافية

ليس المقصود أن تكون هناك دولة واحدة متسعة لكل الشرق، رغم أنه لا مانع لذلك إن حدث، ولا صهر الدول المتقاربة في حلف واحد، بل هو وضع مبادئ قابلة للحياة لهذه “الدول” والشعوب لكي تتحرر، وتنهض من خلل غير متوازن بدت ملامحه منذ أوائل القرن الماضي، وإن كانت محاولاته قد بدأت منذ قرون.

صحيح أن هناك ما “يفرقنا”، لكن لماذا لا نعتبر ذلك عنصر ثراء، وتنوع، بالضبط كما في دول الغرب، فماذا يضيرنا أن نكون سنة أو شيعة، عربا وأكرادا وأمازيغا وفرسا ..الخ، مسيحيين ومسلمين، سودا أو بيضاً وما بينهما، طوال أو قصار، بدوا أو مدنيين، فلاحين وصناع ..الخ. انظر إلى خارطة فلسطين مثلا، من سهول وجبال وصحراء وغور، أليست هذه عناصر ثراء للطبيعة الجغرافية لكل “فلسطيني”؟ وهذا الأمر نفسه ينطبق على المتسع المتسع.

إن تشكيل هذه الجبهة، ستشكل أساسا مستقبليا للتعاون “الإنساني” مع العالم، فنحن في مرحلة دفاع عن أنفسنا، ليس بقصد هزيمة العالم المتقدم، بل لهزيمة المشروع، والمشروع هائل، لا يمكن لأية قوة وحدها أو عنصر واحد منها مجابهته.

إن توحيد هذه العناصر المشتركة يشكل قوة امبراطورية شرقية تسعى للتحرر والنهوض من أجل نفسها، ومن أجل إنسانية أكثر إنسانية.

الأنظمة الشرقية بين تهالكها وتماسكها

لم تكن الانتفاضات السابقة في كل “دولة” على حدة، أو في سلسلة منها، وليدة رؤية محلية فقط، بل تدخلت فيها أصابع أخرى، لحرف مسارها، لمصلحة تلك الدول المهيمنة، ولم تكن “الإصلاحات” بعدها إلا حبة أسبرين لوجع دائم، لنعود إلى البدايات كلما لاحت فرصة للتغيير، ولم تستطع أية دولة النهوض، فالمحيط يشدها إلى الوارء، وأصحاب “المشروع”، يباركونه، ويضفون عليه بعضا من الرتوش، أو يثيرون زوابع أخرى كامنة، لنظل في الحضيض، ونحن كذلك.

كدنا في مرحلة ما نرى تغييراً جوهرياً، وباتت الكثير من الحكومات مثل ورق التوت، تدعي أنها تقي عوراتنا، ليتبين أنها بحد ذاتها هي العورة، وهي السبب في ما آل إليه وضعنا، وهي لا تحمل أي مشروع نهضوي ديني أو قومي أو اثني، بل هي أداة في مشروع أكبر منها، لتدفع الشعوب أثماناً متلاحقة دون نتيجة.

إن تجارب المشاريع الدينية، لم يؤد بنا إلا إلى مزيد من الانقسام الطائفي، ولم تتحول عناصر الثراء الطبيعية إلى عوامل نهضة، وأمثلتها كثيرة، وما تجارب القوميين إلا غطاء لسلطات حاكمة فاسدة لأقلية لا يهمها الشعب ولا مصالحه، وانقسمت اليسارية حتى لم يعد هناك منها شيئا، وتركزت “الإنسانية” في منظمات غير حكومية، لا تفعل في النهاية سوى لمصلحة القائمين عليها.

نعم هناك تعدد ديني وطائفي، وقومي، واثني، وأيدلوجي وغيره، وهذا مهم ومفيد، هو جامع وليس مفرق، لكن إذا كان كل هؤلاء مستهدفين، فهل هناك أمامنا سوى حماية أنفسنا، ورسم طريقنا التي تتعارض طبعاً مع “المشروع”.

فماذا تبقى لنا؟

الهروب من الأزمة والتعلق بالتفاصيل المملة

إن هناك أكثر من مظهر للأزمة التي يعاني منها الشرق، لكنني يمكن أن أحدد واحدا أو أكثر، وهي تركز على التفاصيل التي تلهي الشعوب، وتجعل منها قضيتها المركزية، ومعظم التفاصيل تتعلق بالماضي، وكأنه هو المقدس، ولا حل إلا بالرجوع إليه، ومنها:

  1. المقولات الدينية: فبدل أن نركز على المعالم العامة للدين كما أفهمها، كالكرامة الجمعية، والهوية الجامعة، ومعاقل التحرر والانعتاق من العبودية، والتخلص من الجاهلية، والغوص في معالم النهضة، رحنا نبحث عن تفاصيل التفاصيل التي لا تؤخر ولا تقدم في العبادات، ورحنا نتداول في محاور الخلاص الفردي، في كيف نتوضأ، وكيف نسبح، ونصلي على الأنبياء والأتباع، وحلقات الذكر، والصدقات، والوقوف والجلوس، وشرب الماء، …الخ. لا يعني أن هذه غير مهمة، لكن هذه التوجهات أعلت من التفاصيل على حساب العام، والمصلحة الجمعية، على عكس كثير من المفكرين، منهم الصادق النيهوم، الذي يرى في العام أكثر أهمية نحو بناء الدولة، وأن تكون نداً لدرء إيغال الآخرين في قضايانا.
  2. التراث: أشبع التراث الشفوي والحركي والمادي تمثيلا، حتى صدقنا أن التمسك به بات مقدساً أكبر تقديس، رغم أهميته، وباتت بعض القصص والأمثال القديمة بما في ذلك غير الأخلاقية أكثر قداسة، كما لو أنها وحي، حتى صرنا نجتر الأغاني والأمثال البدائية التي تشوه صورة الحماة والكنة والمرأة والطفل، وشاعت هذه على السطح لتتحول إلى منبع للتبرير الخاص والعام، وترسيخ التخلف الذي لا نرضاه، بل نحاول التخلص منه.
  3. الفنون: ما زالت الرؤية العامة للفنون بشكل عام، تجتر الماضي، كما لو كانت فترة ذهبية بالفعل وانتهت، وإن ما نسمعه من حديث أو نشاهده من مسرح لن يصل لمرتبة ما علق في أذهاننا رغم سوءه، ورغم ما تحمله هذه الفنون من معاني سلبية، صرنا نرددها بين الحين والآخر، ونعتبرها مصدراً للانطلاق، والنهوض، فنحن نعيش عادة في الماضي وعلى الماضي، ومن أجل العودة إلى الماضي.
  4. العلوم: ما زلنا نعتقد أن ما أنتجته مجتمعاتنا وعلماؤنا في الماضي، هو أساس العلوم الحديثة في العالم، وبتنا نبحث عن أي حدث علمي جديد، ل “نكتشف” أن أجدادنا وتراثنا الماضي، كان قد توصل إليه منذ مئات السنين. لهذا نبرر، ربما نبرر حالة الضياع والنكوص الحديثة، ونختصر إجاباتنا على أسئلة الحاضر والمستقبل بمقولات ماضوية، مختصرة، شافية، وافية. كذلك قضايا الفكر كجزء من العلوم، رغم أن كثير من المفكرين الأوائل قد تم قمعهم، وسجنهم، وسحلهم، واغتيالهم، كل في ظروف نهضوية، ومعادية لها.
  5. الأخلاق: هي الأخرى تركزت على الفردية دون الجمعية الجامعة، فابتعدنا عن الكرامة العامة، والهوية اللامة، والعيش الكريم، ورحنا إلى زوايا العطاء الفردي، والخلاص الفردي في الدنيا والآخرة، عبر ترديد شعارات عامة صحيحة، لكنها تبعدنا عن همنا اليومي والمآل الكلي للأمة وللأمم التي حولنا، فنحن حالنا من حالهم، وحالهم من حالنا. فالفساد يطيح بكل مقومات الدولة، ويصبح تقليداً صعب الخلاص منه، والفساد متعدد الجوانب والمستويات، المادي والإداري والاجتماعي والسياسي على حد سواء، حتى بتنا نتسابق في ميدان الجاهات والوجاهات الجاهلية القبلية، وكأننا لم نعرف الديانات ولا الفسلفات العامة لشعوب الأرض، وكأن قوانين الطبيعة بعلومها البحتة والاجتماعية لا تنطبق علينا.

هذه القضايا، وغيرها، هي ذات أهمية، ولكنها تأتي في اتجاه معاكس للنهضة، وليست في سياق دراستها، والبحث في عواملها وسياقاتها من أجل الحاضر، لذلك تقع في دائرة ال “ما هو”، وليس لرسم طريق الخلاص في مواجهة مشروع، يشعر بالغبطة، ونحن نتلهى بماضينا، نتباكى عليه، ونقف على أطلاله، وكفى.

“مشروع فكري توعوي”

لست ناطقا باسم د. إياد البرغوثي، ولا مفسرا لكتابه، فلا بد من قراءته، والإطلال على زوايا لم أرها بعد، وربما أضيف عليها، وتضيفون أو تحذفون.

ليس هناك فرصة للاستغراق في جلد الذات، أو الاكتفاء بالقول إن هناك مؤامرة، وكأننا مشاهدين لمسلسل تلفزيوني. هذا لن يفيد، سوى باللطم والبكاء. ما يدعو إليه الكاتب هو غير ذلك، هو نقطة البداية، وهي الوعي، والعمل التوعوي.

هذه ليست بالضرورة مهمة جماهيرية واسعة، بل هي مهمة مثقفين أكاديميين ومفكرين مبدعين، لرسم طريق التغيير القادم، وهو قادم ليس بمعنى “الحتمية التاريخية”، بل هي صناعة الإنسان من أجل الإنسان. فهل هذا الكتاب هو الصعود إلى سطح الثنائيات اللفظية، والفعل الفكري الناضج الفاعل؟ وهل هو إعادة الإمساك بالمسبحة من حلقتها الأساس، ولا ننغمس في ترديد الكلمات دون معنى؟ لا أعرف تماماً، فما يتبعه يوضح ذلك.

وكتبت هدى عثمان أبو غوش:

حين أنهيت قراءة الكتاب وجدت نفسي فلسطينية تبحث عن غدها، تلوم الماضي والاتفاقيات المجنونة، والعاطفة السّاذجة في السياسة من قبل العرب، والقرارات الحمقاء التي بعثرت بيوتنا وأحلامنا، وبحثت عن العقل السّياسي العربي فوجدته تائها مسكينا بين المؤامرات المختلفة من قبل الغرب. ووجدت العلاقة الحميمية بين أمريكا ومدللتها إسرائيل،وتأثيرها على الشرق الأوسط، ومدى إغراء وسيطرة الغرب ومطامعهم في ثروات الشرق، فإمّا الرضوخ و الاستسلام للمطالب(كعمليات السلام الكاذبة،والتطبيع) وإمّا العواقب الوخيمة، ظهر السّاسة الفلسطينيون من خلال الكتاب، وهم يتخبطون في عواصف الرّياح التي لا ترحم، وعلى نفسه جنى العقل الفلسطيني السياسي أمام التنازلات والاتفاقيات من أوسلو اللعينة حتى يومنا هذا، في هذا الكتاب يوجّه الكاتب الدكتور البرغوثي نقده لطريقة التفكير السياسي للعقل العربي، سواء السّاسة الفلسطينين أو القادة العرب، ويقارن طريقتهم ونهجهم ورسم مستقبل الوطن العربي بصورة غير عقلانية وضعيفة، بينما العدو يخطط ويدرك ما يريد، ولديه بعد نظر لمستقبل مخطط ومدروس، ويقارن بين القوة المدعومة المساندة لإسرائيل من قبل أمريكا والغرب، وبين القوة الضعيفة التي كانت مدعومة بالأحاديث، وسرعان ما تلاشت؛ لترتمي في أحضان العدو.  في هذا الكتاب حاول الكاتب إبراز حنكة وإستغلال إسرائيل للأحداث التي جرت في الدول العربية من انقسام وحروب وطائفية، ومحاولة طمس من يساند الفلسطيني ويبرز كينونته، من أجل بقاء مصالحها وإستقرارها، ولذا ذكر الكاتب أنّ الأحداث التي جرت في الدول العربية هي أيضا “شأن إسرائيلي بإمتياز”.  بيّن الكاتب من خلال وصفه لتسلسل الأحداث في الشرق الأوسط كيف تحوّل العدو (إسرائيل)إلى صديق، وأصبحت إيران فقط العدو. وبيّن ضعف وهشاشة الأنظمة العربية وحاجتهم إلى أمريكا. ‏أشار الكاتب إلى ضعف العرب في مواجهة مشاكلهم وإتخاذ القرارات السليمة، لذا يرى الكاتب إذا استمر هذا الضعف فإنّ الخارج(الدول الغربية وإسرائيل) هم من سيقررون مصيرنا. ‏بيّن الكاتب بتسلسل تدريجي مجموعة الإتفاقيات التي حدثت في الشرق الأوسط وكذلك التغييرات السياسية التي حدثت في المنطقة العربية، (سايس بيكو، وأوسلو، الحروب والربيع العربي وحتى التطبيع). يبين الكاتب طرحه وفكرته في هذا الكتاب دعوة حول الإتجاه لإمبراطورية شرقية ثقافية في الشرق الأوسط دون أن تكون تابعة لأحزاب أو سلطة ما، دعوة لخلق هوية ثقافية تلائم مستقبل شعوب المنطقة ومصالحها، من خلالها تستطيع تجاوز الماضي. ويوجه الكاتب صرخته من خلال دعوته الثقافية إلى الاستيقاظ وإدراك مخاطر عدم الوحدة وعدم التّحرر، دعوة لضرورة التغيير، والتنوع والتعددية الثقافية، وقد بيّن الكاتب مدى فشل المثقف العربي في الابتعاد عن السياسة والتحيز لسلطته أثناء نقاش ثقافي. ويبقى السؤال الذي يقلقنا بعد دعوة الكاتب، هل نحن كمثقفين على قدر من المسؤولية والوعي تجاه ما يدور من حولنا؟ وهل فعلا تهمنا هويتنا الثقافية؟ وهل فعلا نتوق إلى التغيير؟ وكيف سنتغير ما دمنا لا نعمل بقول الرسول الأكرم”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” ‏ ونظرة سريعة إلى أُسلوب الكاتب،فقد جاء الأسلوب بلغة سهلة،سلسة غير معقدة، طرح الكاتب أفكاره ونظرته الشخصية، كما استشهد قليلا ببعض كتابات الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، وذكر بعض المقولات القليلة للسّاسة؛ ليشرح فكرة ما، وقام بتلخيص فكرة محتوى الكتاب في النهاية.

وكتب السفير عمر صبري كتمتو:

ها أنا ذا أعود لإبداء رأيي بكتاب تحرير الشرق بعدما أنجزت قراءته كاملا؛ لأقول بأن هذالكتاب كتاب تربوي توعوي تنويري من الطراز الأول، ويجدر بكل من يريد ان يدخل معترك السياسة الاطلاع على هذا الفكر التنويري، وخصوصا من جيل الشباب. لقد تصاعدت وتيرة التوعية في كتاب الدكتور إياد البرغوثي في تحليله لواقع الأنظمة العربية قبل وبعد انتحار الشاب التونسي بوعزيزي، وما رافقه من تغيير في مصر وسورية ولبنان وليبيا والجزائر، وتناول بالبحث والتوضيح دور التنظيمات العنفية،وما رافقها من تطور وتغيير جذري وعقائدي ومجتمعي في بنيتها الأيديولوجية، وما نتج عنها من نشوء تنظيمات مثل النصرة وداعش، وتطرق الى أدوار أميركا وإسرائيل بدعم هذه التنظيمات. يقول الكاتب أن الغرب استخدم شعارات محببة للشعوب مثل مناهضة الظلم، ومحاربة الفساد للوصول الى تخريب الربيع العربي، وأن بعض المنظمات غير الحكومية ساهمت ربما عن غير قصد بهذا الدور، وهنا يحضرني سؤال وهو، أليست هذه الشعارات مطالب حقيقية؟ أليس هذا ماتريده الشعوب ولم تحصل عليه حتى يومنا هذا؟ بلى ولو كنا نحن الفئة المثقفة عملنا على تحصين شعوبنا في مواجهة هذه الهجمة المسمومة للغرب لانتصر الربيع العربي، ولما وجدنا أن تنظيماتٍ غير حكومية قد أسهمت بهذه الهجمة عن غير قصد في أسوأ الأحوال؟ وهنا لا بدّ من الغعتراف بأننا نحن المسؤولون عن استمرار الديكتاتوريات العربية، ونحن الذين لم نحقق أهداف الربيع العربي. لذا لا بدّ من التنويه وبقوة الى العامل الذاتي والعامل الموضوعي الذي تحدث عنه الكاتب في معرض توصيفه للمثقف العربي، ولدوره الهام للوصول الى تحرير الأرض والإنسان. إن حلم الكاتب بامبراطورية عربية قد يبدو مجرد حلم كما يقول، ولكن آلاف الكيلو مترات تبدأ بخطوة أولى. ولا أزال أؤمن بأن الحرية والديمقراطية هما الركيزتان التي يقف عليها التقدم والتحضر والتعايش بين جميع مكونات الشعوب، ولا يمكننا تغيير الواقع إلا بالثورة عليه. فقد تحول المواطن في عالمنا من حاقد على القائد إلى عاشقٍ له، وهذا ما أوضحه عبدالرحمن الكواكبي في كتابه”طبائع الإستبداد” الذي نُشر في القرن الماضي.

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات