بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين
حين تتحول السيرة إلى ذاكرة.ليست سيرةُ الكاتب الفلسطيني مجردَ تواريخَ تتعاقب، ولا قائمةَ مؤلفاتٍ تُرصُّ في سجلٍّ ببليوغرافي، ولا وظائفَ ومواقعَ ثقافيةً تُذكر ثم تُنسى؛ فبعضُ السير تتجاوز أصحابها لتغدو جزءًا من سيرة المكان نفسه. ومن هذا الطراز تأتي تجربة الكاتب والصحفي الفلسطيني جميل حسين إبراهيم السلحوت؛ ابن جبل المكبر، أحد أحياء القدس، الذي ارتبط اسمه على امتداد عقود بالكتابة والصحافة والتعليم والعمل الثقافي والتوثيق، وبخاصة بالفعل الثقافي المقدسي الذي ظلّ، في ظروف الاحتلال والتحولات السياسية والاجتماعية، أحد أشكال حماية الذاكرة من المحو.وُلد جميل السلحوت في جبل المكبر – القدس في 5 حزيران/يونيو 1949، وأقام فيه، فكان المكان بالنسبة إليه أكثر من عنوان جغرافي؛ كان أصلًا من أصول الهوية، ومادةً للكتابة، وفضاءً للذاكرة، ومختبرًا إنسانيًا واجتماعيًا تشكلت فيه رؤيته إلى الإنسان الفلسطيني وإلى التحولات التي أصابت المجتمع والمدينة والأرض.وإذا كان الكاتب يُعرَف بما يكتب، فإن السلحوت يُعرَف كذلك بما ظلّ وفيًّا له: القدس، والإنسان، والحكاية الشعبية، والطفولة، والذاكرة، والأدب، والصحافة، والعمل الثقافي الجماعي.ومن هنا فإن قراءة تجربته لا تستقيم بوصفها قراءةً في نتاج فردي فحسب، وإنما ينبغي أن تُقرأ بوصفها صفحةً من صفحات الثقافة الفلسطينية الحديثة، وسجلًا حيًّا من سجلات المثقف الذي اختار أن يكون شاهدًا وكاتبًا وفاعلًا في آن.أولًا: السيرة بوصفها مقاومةً للنسيانحصل جميل السلحوت على ليسانس الأدب العربي من جامعة بيروت العربية، وهو تكوين يكشف مبكرًا عن صلته العضوية باللغة والأدب، قبل أن تتحول هذه الصلة إلى مشروع ثقافي متشعب بين التدريس والصحافة والكتابة والتوثيق.عمل مدرسًا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1 أيلول/سبتمبر 1977 حتى 28 شباط/فبراير 1990. وفي هذه التجربة التعليمية تتقاطع مهنة التعليم مع مشروعه الثقافي؛ فالمعلم الذي يدرّس العربية في القدس لا يلقّن قواعد اللغة ونصوص الأدب فحسب، وإنما يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في حماية اللغة بوصفها أحد الأوعية الكبرى للهوية والذاكرة.غير أن سيرة السلحوت لم تكن سيرةً مدرسٍ أو كاتبٍ بعيدٍ عن صخب التاريخ. فقد اعتُقل في الفترة الممتدة من 19 آذار/مارس 1969 إلى 20 نيسان/أبريل 1970، ثم خضع للإقامة الجبرية ستة أشهر. وهذه الواقعة ليست تفصيلًا هامشيًا في سيرته، لأنها تكشف أن تجربته الشخصية تشكلت في تماس مباشر مع الواقع السياسي الفلسطيني، وأن مفهوم الحرية لديه لم يكن فكرةً مجردة، بل تجربةً معاشةً في الجسد والذاكرة والزمن.ولذلك يمكن النظر إلى تجربة السلحوت باعتبارها انتقالًا من الاعتقال الجسدي إلى الكتابة بوصفها فضاءً للحرية؛ فحين يُضيَّق على الإنسان في المكان، يستطيع النص أن يفتح له فضاءً آخر، وحين تُحاصر الذاكرة، تصبح الكتابة وسيلةً لإعادة ترتيب ما يريد التاريخ القاهر أن يمحوه.ثانيًا: الصحافة؛ الكتابة في قلب الحياة اليوميةلم يقف السلحوت عند حدود التعليم، بل انخرط في الصحافة منذ عام 1974، واستمر في العمل الصحفي حتى 1998، محررًا في عدد من الصحف والمجلات الفلسطينية، من بينها: الفجر، الكاتب، الشراع، العودة، مع الناس، ومرايا، كما ترأس تحرير صحيفة الصدى الأسبوعية، وترأس تحرير مجلة مع الناس.وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية في تجربته: الكتابة عنده ليست عزلةً عن المجتمع، وإنما اشتباكٌ معه.فالصحافة، في التجربة الفلسطينية، لم تكن مجرد مهنة؛ لقد كانت في كثير من الأحيان أرشيفًا يوميًا للحياة، وشهادةً على التحولات، ومنبرًا للدفاع عن الوجود الثقافي والاجتماعي، ووسيلةً لإعادة إنتاج الصوت الفلسطيني في مواجهة خطاب القوة والمحو.ومن ثمّ، فإن تجربة السلحوت الصحفية تضيء جانبًا مهمًا من شخصيته الثقافية: إنه كاتب لا ينظر إلى الأدب باعتباره برجًا عاجيًا، بل يراه جزءًا من حركة المجتمع، ومن أسئلته، ومن صراعاته، ومن تفاصيل حياته اليومية.ثالثًا: من الفرد إلى المؤسسة الثقافيةكان جميل السلحوت عضوًا مؤسسًا لاتحاد الكتاب الفلسطينيين، وعضوًا في هيئته الإدارية منتخبًا لأكثر من دورة، كما كان عضوًا مؤسسًا لاتحاد الصحفيين الفلسطينيين، وعضوًا في هيئته الإدارية منتخبًا لأكثر من دورة.وهذه المشاركة تكشف أن مشروعه لم يكن فرديًا محضًا؛ فالكاتب هنا يتحول إلى فاعل في بناء المؤسسة الثقافية الوطنية.كما عمل مديرًا للعلاقات العامة في محافظة القدس في السلطة الفلسطينية من شباط/فبراير 1998 حتى بداية حزيران/يونيو 2009، وشغل عضوية مجالس أمناء عدد من المؤسسات الثقافية، من بينها المسرح الوطني الفلسطيني.وهكذا تتوزع تجربته بين ثلاثة حقول متداخلة:الكتابة، والمؤسسة، والمجتمع.وهي معادلة مهمة في فهم شخصيته؛ لأن المثقف، في التجربة الفلسطينية، لم يكن دائمًا قادرًا على الاكتفاء بإنتاج النص، بل وجد نفسه مطالبًا بالمساهمة في بناء المؤسسات التي تحفظ الثقافة وتمنحها شروط الاستمرار.رابعًا: ندوة اليوم السابع؛ حين يصبح الحوار الثقافي ذاكرةً جماعيةمن أبرز العلامات في سيرة جميل السلحوت أنه كان أحد المؤسسين الرئيسيين لـ ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني، المعروفة سابقًا بمسرح الحكواتي، وهي الندوة التي استمرت منذ آذار/مارس 1991.وهنا لا يعود السلحوت مجرد كاتب يكتب الكتب، وإنما يصبح جزءًا من صناعة الحياة الثقافية الجماعية.فالندوة الثقافية ليست لقاءً عابرًا بين مثقفين؛ إنها، حين تستمر عقودًا، تتحول إلى مؤسسة ذاكرة. وما يُقرأ فيها ويُناقش ويختلف حوله ويتفق عليه يصبح جزءًا من تاريخ الثقافة في المدينة.ولذلك قام السلحوت بإعداد وتحرير عدد من الكتب التسجيلية التي حفظت جانبًا من حصيلة هذه الندوة، ومنها:- يبوس، منشورات المسرح الوطني الفلسطيني، القدس، 1997.- إيلياء، منشورات المسرح الوطني الفلسطيني، القدس، تموز 1998.- قراءات لنماذج من أدب الأطفال، القدس، كانون الأول 2004.- في أدب الأطفال، القدس، تموز 2006.- الحصاد الماتع لندوة اليوم السابع، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، كانون الثاني 2012.- أدب السجون، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، شباط 2012.- نصف الحاضر وكل المستقبل، دار الجندي، القدس، آذار 2012.- أبو الفنون، دار الجندي، القدس، نيسان 2012.- حارسة نارنا المقدسة، دار الجندي، القدس، أيار 2012.- بيارق الكلام لمدينة السلام، دار الجندي، القدس، حزيران 2012.- من نوافذ الإبداع، دار الجندي، القدس، نيسان 2013.- نور الغسق، دار الجندي، القدس، نيسان 2013.- مدينة الوديان، دار الجندي، القدس، 2013.إن أهمية هذه الكتب لا تكمن في عناوينها وحدها، بل في وظيفتها الثقافية؛ فهي تجعل من الحوار الشفهي مادةً قابلةً للحفظ، ومن الندوة العابرة للزمن أرشيفًا مكتوبًا للحياة الثقافية المقدسية.وهنا تكمن إحدى أهم خصائص مشروع السلحوت: الكتابة لا تنتج الذاكرة فقط، بل تنقذ الذاكرة من التبدد.خامسًا: الأنطولوجيا الإبداعية؛ من الحكاية الشعبية إلى الروايةإذا أردنا أن نقرأ أعمال جميل السلحوت أنطولوجيًا، أي بوصفها تعبيرًا عن سؤال الوجود الفلسطيني، فإننا سنجد أن مشروعه الأدبي يتحرك في فضاء واسع تتجاور فيه الحكاية الشعبية، والبحث الاجتماعي، وأدب الأطفال، والرواية، وأدب الرحلات، وأدب السجون، والعمل المسرحي، والتسجيل الثقافي.وهذا التنوع ليس تشتتًا بالضرورة؛ بل يمكن قراءته بوصفه تعددًا في منافذ الاقتراب من الإنسان الفلسطيني.. الحكاية الشعبية بوصفها ذاكرة المجتمعفي بدايات مشروعه البحثي تظهر عناية واضحة بالحكاية الشعبية والمجتمع الفلسطيني، كما في:شيء من الصراع الطبقي في الحكاية الفلسطينيةمنشورات صلاح الدين، القدس، 1978.ثم:صور من الأدب الشعبي الفلسطيني، بالاشتراك مع د. محمد شحادة، منشورات الرواد، القدس، 1982.ثم:مضامين اجتماعية في الحكاية الفلسطينية، دار الكاتب، القدس، 1983.وهذه الأعمال تكشف اهتمامًا مبكرًا بالبنية الاجتماعية الكامنة وراء الحكاية، لا بالحكاية باعتبارها مادةً فولكلورية فحسب.فالحكاية الشعبية عند السلحوت ليست تسليةً موروثة؛ إنها وثيقة اجتماعية مقنّعة، تحفظ ما لا تحفظه السجلات الرسمية، وتكشف علاقات القوة والصراع الطبقي والقيم والعادات وأنماط التفكير.ومن هنا تتصل الحكاية بالتاريخ الاجتماعي؛ إذ يصبح الأدب الشعبي أحد الأرشيفات غير الرسمية للإنسان الفلسطيني.سادسًا: القضاء العشائري؛ المجتمع حين يكتب قوانينه من الداخلصدر له كتاب:القضاء العشائري، منشورات دار الأسوار، عكا، 1988.ويكشف هذا العمل عن اهتمامه بالبنى الاجتماعية الفلسطينية وبآليات إنتاج النظام داخل المجتمع التقليدي.فالسلحوت لا يكتفي بتصوير الإنسان الفرد، وإنما يتتبع أيضًا المؤسسات غير الرسمية التي حكمت العلاقات الاجتماعية، بما يجعل الكتاب جزءًا من مشروع أوسع لقراءة المجتمع الفلسطيني من داخله.وهذه النزعة البحثية ستظل حاضرةً، بصورة أو بأخرى، في أعماله اللاحقة؛ إذ إن الرواية عنده كثيرًا ما تنشغل بما وراء الفرد: العائلة، المجتمع، السلطة، العرف، الذاكرة، المكان، والتحولات الاجتماعية.سابعًا: الطفل في قلب المشروع الأدبييحتل أدب الأطفال واليافعين مساحةً لافتة في تجربة جميل السلحوت.فمن أعماله:المخاض، مجموعة قصصية للأطفال، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 1989.حمار الشيخ، منشورات اتحاد الشباب الفلسطيني، رام الله، 2000.أنا وحماري، دار التنوير للنشر والترجمة والتوزيع، القدس، 2003.الغول، قصة للأطفال، منشورات مركز ثقافة الطفل الفلسطيني، رام الله، 2007.كلب البراري، مجموعة قصصية للأطفال، منشورات غدير، القدس، 2009.الحصاد، رواية للأطفال، منشورات جمعية الزيزفونة لثقافة الطفل، رام الله، 2014.الأحفاد الطيبون، قصة أطفال، منشورات جمعية الزيزفونة لثقافة الطفل، رام الله، 2016.كما كتب لليافعين:عش الدبابير، رواية للفتيات والفتيان، دار الهدى، كفر قرع، 2007.البلاد العجيبة، رواية لليافعين، مكتبة كل شيء، حيفا، 2015.لنوش، رواية لليافعين، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، 2016.واللافت هنا أن الطفل لا يظهر بوصفه قارئًا صغيرًا فحسب، بل بوصفه كائنًا ثقافيًا ينبغي أن يحمل الذاكرة إلى المستقبل.إن الكتابة للطفل الفلسطيني هي، في أحد أبعادها، كتابةٌ ضد فقدان الذاكرة؛ لأن الطفل الذي يعرف حكايته ومكانه وأسماء الأشياء من حوله يصبح أقل قابليةً للاقتلاع الرمزي.ثامنًا: الرواية؛ فلسطين بوصفها سؤالًا إنسانيًاتتسع التجربة الروائية للسلحوت عبر مجموعة من الأعمال التي تشكل معًا لوحةً متعددة الطبقات للإنسان الفلسطيني:عش الدبابير، 2007.ظلام النهار، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، 2010.جنة الجحيم، دار الجندي، القدس، 2011.هوان النعيم، دار الجندي، القدس، 2012.برد الصيف، دار الجندي، القدس، 2013.العسف، دار الجندي، القدس، 2014.أميرة، دار الجندي، القدس، 2014.زمن وضحة، مكتبة كل شيء، حيفا، 2015.رولا، دار الجندي، القدس، 2016.ثم تواصل المشروع الروائي في أعمال لاحقة، منها:عذارى في وجه العاصفة، 2017.نسيم الشوق، 2018.اليتيمة، 2020.أنا من الديار المقدسة، 2020.والرواية، في هذا السياق، ليست مجرد بناء تخييلي؛ إنها طريقة أخرى لقول التاريخ الإنساني حين تعجز الوثيقة الجافة عن الإمساك بتفاصيل الروح.فالتاريخ يدوّن الأحداث الكبرى، بينما تستطيع الرواية أن تحفظ ارتعاشة الإنسان أمام الحدث؛ تحفظ الخوف والحب والخسارة والحنين والانتظار، وتحول الإنسان العادي إلى شاهد على عصره.تاسعًا: أدب الرحلة؛ فلسطين وهي ترى العالمكتب السلحوت في أدب الرحلات أيضًا:كنت هناك، منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، فلسطين، تشرين الأول 2012.و:في بلاد العم سام، مكتبة كل شيء، حيفا، 2016.وتكشف الرحلة عن وجه آخر في مشروعه؛ فالكاتب الذي ينطلق من القدس لا يكتفي بالنظر إلى العالم من بعيد، بل يسافر إليه ويعود محمّلًا بالمقارنة والأسئلة.إن أدب الرحلات، في جوهره، كتابةٌ للذات من خلال الآخر؛ فحين يرى الكاتب العالم، يعيد اكتشاف وطنه، وحين يقارن المدن والمجتمعات، تصبح القدس حاضرةً في خلفية المشهد، حتى عندما لا تُذكر.عاشرًا: أدب السجون؛ الذاكرة حين تُكتب من وراء القضبانيحضر السجن في تجربة السلحوت حضورًا شخصيًا وثقافيًا؛ فقد خبر الاعتقال والإقامة الجبرية في شبابه، ثم أسهم لاحقًا في حفظ أدب السجون وتوثيقه من خلال كتاب:أدب السجون، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، شباط 2012.وهنا تتحول التجربة الشخصية إلى ذاكرة جماعية.فالسجن ليس مكانًا في الأدب الفلسطيني؛ إنه استعارةٌ كبرى للتجربة الفلسطينية الحديثة: تقييد المكان، ومحاصرة الجسد، وانتزاع الحرية، ثم محاولة استعادتها باللغة.ولهذا فإن الكتابة عن السجن ليست استعادةً للماضي فقط؛ إنها دفاعٌ عن حق الإنسان في أن تكون له روايته الخاصة عن الألم.الحادي عشر: القدس؛ المكان الذي يتحول إلى كينونةيصعب قراءة تجربة جميل السلحوت بعيدًا عن القدس.فالقدس ليست خلفيةً جغرافية لأعماله؛ إنها بنيةٌ عميقة في وعيه الثقافي.جبل المكبر، المدرسة الرشيدية، المسرح الوطني الفلسطيني، الندوات الثقافية، المؤسسات الثقافية، الصحافة، الحكايات، الناس، الذاكرة الشعبية؛ كلها تتقاطع لتصنع صورة القدس بوصفها مدينةً حيةً تتعرض لضغط التاريخ والسياسة، لكنها تواصل إنتاج الثقافة.ولهذا جاء من أعماله:إيلياء،ويبوس،وبيارق الكلام لمدينة السلام،وأنا من الديار المقدسة،وغيرها من الأعمال التي تجعل القدس أكثر من مكان: تجعلها كائنًا رمزيًا يسكن اللغة وتسكنه اللغة.ومن هنا يمكن القول إن السلحوت ينتمي إلى تقليد ثقافي فلسطيني يجعل الدفاع عن المدينة فعلًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن الدفاع عنها سياسيًا؛ لأن الاحتلال لا يحاول السيطرة على الأرض وحدها، بل يحاول إعادة تعريف المكان وذاكرته ورموزه.الثاني عشر: السلحوت والكتابة بوصفها أرشيفًامن أبرز ما يمكن استخلاصه من مشروع جميل السلحوت أنه يكتب في أكثر من اتجاه، لكنه يعود دائمًا إلى سؤال واحد:كيف نحفظ الإنسان الفلسطيني من النسيان؟يحفظه في الحكاية الشعبية.ويحفظه في الرواية.ويحفظه في أدب الأطفال.ويحفظه في أدب السجون.ويحفظه في الرحلة.ويحفظه في الندوة الثقافية.ويحفظه في الصحافة.ويحفظه في ذاكرة القدس.ومن هنا تتخذ أعماله قيمةً أنطولوجية؛ لأنها لا تتحدث عن الفلسطيني بوصفه رقمًا في سجل سياسي، وإنما بوصفه كائنًا له ذاكرة، وبيت، ولهجة، وحكاية، ومخاوف، وأحلام، وأطفال، وأجداد، ومكان.وهذا هو الفارق بين الكتابة التي تعبر الزمن والكتابة التي تستهلكها اللحظة.الثالث عشر: التكريم؛ الاعتراف بالمسارحظي جميل السلحوت بتكريمات عديدة من مؤسسات فلسطينية وعربية، من بينها وزارة الثقافة الفلسطينية، ومحافظة القدس، وجامعة القدس، والمسرح الوطني الفلسطيني، وندوة اليوم السابع، وجمعية الصداقة والأخوة الفلسطينية الجزائرية، ونادي جبل المكبر، ودار الجندي للنشر والتوزيع، ومبادرة الشباب في جبل المكبر، وملتقى المثقفين المقدسي، وجمعية يوم القدس في عمّان، وجامعة عبد القادر الجزائري في قسنطينة، والمجلس الملي الأرثوذكسي في حيفا، وغيرها.وكان من أبرز وجوه التكريم منحه من وزارة الثقافة الفلسطينية لقب “شخصية القدس الثقافية للعام 2012”.ولا ينبغي النظر إلى هذا التكريم باعتباره مجاملةً رمزية لشخص، بل بوصفه اعترافًا بمسار طويل جعل من الثقافة والعمل الثقافي جزءًا من الحياة الوطنية الفلسطينية.الرابع عشر: الببليوغرافيا بوصفها خريطةً للروحيمكن قراءة ببليوغرافيا جميل السلحوت في مسارات متجاورة:في الحكاية والتراث:شيء من الصراع الطبقي في الحكاية الفلسطينية؛ صور من الأدب الشعبي الفلسطيني؛ مضامين اجتماعية في الحكاية الفلسطينية؛ القضاء العشائري.في أدب الأطفال واليافعين:المخاض؛ حمار الشيخ؛ أنا وحماري؛ الغول؛ كلب البراري؛ الحصاد؛ الأحفاد الطيبون؛ عش الدبابير؛ البلاد العجيبة؛ لنوش.في الرواية:ظلام النهار؛ جنة الجحيم؛ هوان النعيم؛ برد الصيف؛ العسف؛ أميرة؛ زمن وضحة؛ رولا؛ عذارى في وجه العاصفة؛ نسيم الشوق؛ اليتيمة؛ أنا من الديار المقدسة.في أدب الرحلات:كنت هناك؛ في بلاد العم سام.في الثقافة وأدب السجون والمسرح والندوات:أدب السجون؛ نصف الحاضر وكل المستقبل؛ أبو الفنون؛ حارسة نارنا المقدسة؛ بيارق الكلام لمدينة السلام؛ من نوافذ الإبداع؛ نور الغسق؛ مدينة الوديان؛ الحصاد الماتع لندوة اليوم السابع.وهذه الخريطة لا تكشف كثرة الإنتاج فحسب، وإنما تكشف تنوع الأدوات التي استخدمها الكاتب للوصول إلى الإنسان.الخامس عشر: القيمة الأنطولوجية لتجربة السلحوتالأنطولوجيا، في معناها الفلسفي، تسأل عن الوجود: ما الذي يعنيه أن يكون الإنسان موجودًا في عالم معين؟ وما الذي يجعل وجوده قابلًا للحفظ والمعنى؟ومن هذا المنظور يمكن قراءة مشروع جميل السلحوت بوصفه سؤالًا متواصلًا عن الوجود الفلسطيني في المكان والزمن.فالاحتلال يحاول تحويل الإنسان إلى حالة سياسية، بينما تعيد الأدبيات الإنسانية إليه فرديته.والتهجير يحاول قطع الإنسان عن المكان، بينما تعيد الرواية بناء المكان داخل الذاكرة.والنسيان يحاول محو الماضي، بينما تعيد الحكاية الشعبية إنتاجه.والصمت يحاول إلغاء الصوت، بينما تأتي الصحافة والكتابة والندوة لتمنح الصوت فضاءً جديدًا.ولهذا يمكن اختزال القيمة الأنطولوجية لمشروعه في معادلة بسيطة وعميقة:أن تكتب يعني أن تثبت أنك كنت هنا.وهذه الجملة، في السياق الفلسطيني، ليست بلاغةً لغوية؛ إنها فعل وجود.السادس عشر: المثقف الذي جعل من الثقافة فعلَ حضورينتمي جميل السلحوت إلى جيل من المثقفين الفلسطينيين الذين لم يفصلوا بين الثقافة والحياة.فهو مدرس، وصحفي، وكاتب، وباحث، وروائي، وكاتب للأطفال، ومحرر، وعضو مؤسس في مؤسسات ثقافية، وفاعل في الندوات، وموثق للحياة الثقافية.وهذا التعدد هو سر خصوصية تجربته.فالمثقف الذي يكتفي بالكتابة ينتج نصوصًا؛ أما المثقف الذي يكتب ويبني المؤسسات ويحفظ الذاكرة ويشارك في الحياة العامة، فإنه يسهم في صناعة البيئة الثقافية نفسها.ومن هنا فإن قيمة السلحوت لا تختصرها رواية أو مجموعة قصصية أو دراسة بعينها، وإنما ينبغي النظر إليها بوصفها مسارًا ثقافيًا طويل النفس.خاتمة: لكي لا يقول المستقبل إننا لم نكن هنافي فلسطين، ليست الكتابة ترفًا.إنها أحيانًا شكلٌ من أشكال البقاء.والكاتب الذي يكتب عن القدس لا يكتب عن مدينة فحسب؛ إنه يكتب عن الوجود.والذي يوثق الحكاية الشعبية لا يستعيد حكاية قديمة؛ بل ينقذ ذاكرة مجتمع من أن تصبح مجهولة الأصل.والذي يكتب للطفل لا يخاطب جيلًا صغيرًا؛ بل يكتب إلى المستقبل.والذي يحفظ الندوات الثقافية في الكتب لا يسجل جلسات عابرة؛ بل يبني أرشيفًا لزمن ثقافي كامل.من هنا تأتي أهمية تجربة جميل السلحوت؛ فهي تجربة كاتب جعل من الكتابة جسرًا بين الماضي والمستقبل، ومن القدس مركزًا رمزيًا لذاكرته، ومن الثقافة الفلسطينية مجالًا للحضور والمقاومة، ومن الإنسان موضوعًا دائمًا للبحث والسرد.لقد كتب عن الحكاية، فحفظ شيئًا من ذاكرة الناس.وكتب للأطفال، فترك لهم مفاتيح الغد.وكتب الرواية، فحوّل الألم الاجتماعي إلى سؤال جمالي وإنساني.وكتب عن السجون، فاستعاد أصواتًا كان يمكن أن يبتلعها الصمت.وكتب عن الرحلة، فرأى العالم بعين فلسطينية.ووثّق ندوات الثقافة، فأنقذ الحوار من الفناء.وبقيت القدس، في عمق هذه المسيرة، ليست مكان الميلاد فحسب، وإنما مركزًا روحيًا وثقافيًا وأخلاقيًا.ولذلك فإن توثيق سيرة جميل السلحوت ليس احتفاءً بشخص واحد بقدر ما هو حفظٌ لجزء من الذاكرة الثقافية الفلسطينية في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.إنها سيرة رجلٍ عاش زمنًا فلسطينيًا مضطربًا، لكنه لم يسمح للاضطراب أن يسلبه القدرة على الكتابة؛ وسيرة كاتب عرف أن أخطر ما يواجه الأمم ليس فقدان الأرض وحده، وإنما فقدان الحكاية التي تقول للأجيال: هذه أرضنا، وهذه ذاكرتنا، وهذا صوتنا، وهذا نحن.ولهذا ستظل الببليوغرافيا، في النهاية، أكثر من قائمة كتب؛ إنها خريطةٌ لرحلة عقلٍ فلسطيني عبر الزمن.وإذا كان لكل أمةٍ ذاكرةٌ تحفظ وجودها، فإن أمثال جميل السلحوت هم بعض حرّاس هذه الذاكرة؛ أولئك الذين يقفون بين الماضي والمستقبل، يحملون ما تبقى من أصوات الآباء، ويسلمونها إلى الأبناء، كي لا يأتي جيلٌ من الأجيال فيسأل:أين كنتم؟فتجيبه الكتب:كنا هنا. كتبنا. حفظنا الحكاية. ولم نسمح للغياب أن يكون الكلمة الأخيرة.إذا رغبت، أستطيع في خطوة لاحقة ، تتناول أنطولوجيا السلحوت وسيميائيات المكان والذاكرة والهوية، مع فصل مستقل لتحليل مشروعه الروائي وأدب الأطفال والحكاية الشعبية.
9-8-2026










