بين السيرة الذاتية والرواية

ب

في أمسية ثقافية عبر تقنية “زوم” حول رواية لأديبة صديقة مغتربة قلت بما معناه” أنّ الكاتبة كتبت نصّا أدبيّا رائعا بلغة جميلة، ولو أنّها لم تصنّفه كعمل روائيّ لصنّفه القارئ الحاذق بأنه يندرج ضمن أدب السيرة وأدب الرحلات” ولفتُّ الإنتباه لخلل في البناء الرّوائيّ، سبقني بتوضيحه أستاذنا الأديب الكبير محمود شقير، وبعد انتهاء الأمسية راسلتني إحدى الكاتبات تحتجّ على ما قلته، وتطالبني بإثبات ذلك، علما أنّني بدأت حديثي بقولي”لن أكرّر ما قاله من سبقوني في الحديث” وكنت أقصد ما قاله الأديب شقير، وتبع ذلك نقاش في أحد المجموعات “جروب” إلكتروني شارك فيه عدد من الكاتبات، يطالبن فيه بضرورة الإطلاع على المذاهب النّقديّة قبل الحديث أو الكتابة النقديّة، وأنا مع هذا الكلام 100%. وزعمت إحداهنّ أنّ النّقد في غير محلّه قد يحطّم كاتب النّصّ الأدبيّ! وأنا ضد أي نقد في غير محلّه، مع أننا نكتب نقدا انطباعيّا، كلّ حسب ثقافته ووعيه، ولست مع الإطراء على أيّ نصّ إذا كان لا يستحقّ ذلك، ومع تبيان السلبيات إن وجدت وعدم خداع الكاتب من أجل مصلحته ليتلافى أخطاءه في اعماله القادمة وليس لتحطيمه.

وأودّ هنا أن أؤكّد على احترامي لكاتبة الرّواية التي أعتبرها صديقة رائعة، وأجزم بأنّ ما قلته عن روايتها هو ثناء على هذه الرّواية، وليس قدحا بها، ووصف روايتها بأنّها أقرب إلى فنّ أدب السّيرة هو إطراء للنّصّ وليس قدحا فيه، فأدب السّيرة فيه مصداقيّة عالية مع ما يصاحبه من التّخييل، قياسا بالرّواية، وفي سرده صعوبة أكثر من السرد الروائي، لأنّه في الغالب يعتمد على معلومات عن صاحب السّيرة، قد تكون محرجة له وربّما لغيره. فمن المعروف أنّ أيّ كاتب يكتب في كتاباته كافّة شيئا من سيرته وعن ذاته، وقد قلت ذلك عن نفسي في الأمسية آنفة الذّكر، علما أنّ هذا الرّأي معروف ومعلوم على المستوى العالميّ، وليس رأيا خاصّا بي. وللتّذكير بصحّة رأيي هذا سأطرح بعض الآراء لأدباء معروفين بهذا الخصوص دون تعليق، علما أنّه صدرت حوله مئات الكتب وآلاف المقالات، ومنها:

إجابات بعض الأدباء على سؤال طُرح في صحيفة القدس العربي التي تصدر في لندن تحت عنوان السيرة الذاتية والرواية: اتفاق أم افتراق؟ “القدس العربي 1 ديسمبر 2019”

الأديب الأردني موسى ابراهيم أبو رياش:

“الرواية سيرة من لا سيرة لهم” كما يقول عبدالرحمن منيف، ويقول جورج ماي، في كتابه «السيرة الذاتية»: «الرواية والسيرة الذاتية هما شكلان يمثلان قطبين لجنسٍ أدبي مترامي الأطراف، يجمع بين الآثار المنضوية فيه أنها تتخذ من حياة إنسان موضوعاً لها»

الأديب الناقد الفلسطيني فراس عمر حج محمد:

“على الرغم من أن الروائيين عمومًا لم يتركوا أمر حياتهم الشخصية بعيدًا عن متخيلهم الروائي، فثمة كتاب استفادوا من خبرتهم الشخصية، ووقائع حياتهم في بناء عوالمهم الروائية كالروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، والروائي غسان كنفاني على سبيل المثال، وكثرت في الفترة الأخيرة اعترافات الكتاب التي كشفت عن أنهم استمدوا رواياتهم من وقائع حياتهم التي عاشوها كالروائي الكويتي طالب الرفاعي، الذي وظف جانبًا من حياته في روايته «النجدي»، بل إن هناك كتابًا كثيرين كتبوا سيرهم الذاتية بقالب روائي، كما أشار إلى ذلك الناقد العراقي عبد الله إبراهيم، الذي أفرد فصلاً كاملاً في “موسوعة السرد العربي” لمناقشة ظاهرة «السيرة الروائية»، وتناولها في أعمال العديد من الكتاب العرب.”

الروائي العراقي حميدي الربيعي:

“إن إعادة كتابة السيرة على شكل رواية تتطلب مهارة خاصة ومرانًا من لدن المؤلف، بحيث يعيد صياغة الحكايات، ويوحدها ضمن الحكاية المحورية الرئيسة، التي تعتمدها الرواية، من جهة جانبها الفني التقني. لا يجيد كل الكتاب هذه اللعبة، لكن البعض سار بها ونجح، ولعل رواية عبدالرحمن منيف «شرق المتوسط» مثال على ذلك، فهذه الرواية كانت في الأصل يوميات سجين، وصلت إلى المنيف وببراعة كتبها على شكل رواية ممتعة.”

الروائي الأردني نائل العدوان:

“لا أنكر أن العديد من الروائيين يستخدمون جزءا من سيرتهم الذاتية في رواياتهم.”

الأديبة المغربية مليكة الجباري:

“عندما نتحدث عن السيرة، فنحن أمام نوعين: سيرة غيرية وسيرة بضمير الأنا، فالراوي هو السارد في الصنف الثاني بتحقق التطابق تعتمد على نقل فعلي غيري أو بضمير الأنا، أحداثها حكائية سردية قابلة للتداول عكس المذكرات. وعلى هذا الأساس، تصبح السيرة الذاتية رواية لها مكونات النص السردي وبناؤه.”

الأكاديمي المصري محمود الضبع:

“إنه إذا كانت السيرة الذاتية هي سرد سيرة حياة إنسان، ورصد منجزاته، وإذا كانت الرواية فنًا أدبيًا سرديًا له مقوماته الفنية وسماته الجمالية المعروفة، فإنه بالضرورة يكون هناك تداخل واضح بينهما، ذلك أن سارد السيرة الذاتية يحكي رواية حياته،

وسارد الرواية يصنع سيرًا ذاتية خيالية لشخوص لا بد لها في نهاية الأمر من أن تتمثل واقعيًا في وعي المتلقي ليستقبلها، وإلا استشعر أنها لا تنتمي لعالمه الأرضي، كما يحدث في أدب الخيال العلمي مثلاً.”

الأكاديمي الجزائري سعيد موفقي:

“ولعل التجارب الشخصية والنظر إلى علاقة الذات بها من زوايا استراتيجية فلسفية، أصبحت تنجذب إلى شكل آخر ومناسب لطبيعة التفكير والتعبير، ويتحول الخوض في مسألة توثيق السيرة من مجرد أخبار أو يوميات أو ترجمة، إلى أبعد من ذلك، غير المعنى الاجتماعي والبناء الخيالي للشخصيات والأحداث، ولم يعد جنسها الأدبي الذي تعتمده القصة أو الرواية يعيقها، وإن كانت مصادرهما واحدة، وصياغتها بأسماء مستعارة في كثير من الحالات، وتلك إشكالية أخرى، أو بضمير المفرد أكثر، وتكاد تكون مكوناتهما لا تختلف في توظيف المشاهد والرؤى والمواقف وبناء الشخصية بأسلوب يعتمد النفس الروائي، ولكنها لصيقة بالحقيقة والذات والمشهد؛ والمكون الزمني فيها يتسم بالفضاء الواسع والعودة المنتظمة للأحداث، من خلال المشاعر والسياقات والعمل بمرونة الرواية.”

***************

الدكتور سلطان سعد القحطاني:

” والرواية في المصطلح العربي القديم تعني النقل من الماضي، وتعتمد في الكثير من الأحيان على مقتطفات من سير الأبطال والمشاهير من طبقات المجتمع، ورواية الحدث الرئيس والذكريات”

صحيفة الشرق الاوسط”بين الرواية والسيرة الذاتية 2 اكتوبر 2008 العدد 10901″

******

الروائية حنان الشيخ:

أين هي الحدود الفاصلة بين الرواية والسيرة الذاتية؟

” وعلى الرغم من أن العلاقة بين الرواية بشكلها التقليدي المعروف وبين السيرة الذاتية ظلت محل جدل بين كثير من النقاد في حقل السرد الأدبي، إلا أنه في كل الأحوال فإن الروائي يظل متمثلا وحاضرا في شخوص عمله الروائي من خلال خبراته، وما يتعلق به من دوافع ذاتية حتى لو تمثلت نصوصه السردية في روايات أو أعمال سردية تدور حول سيرة ‘غيرية’، وليست سيرة ذاتية أو شخصية تعبر عنه هو نفسه.”

“موقع عرب 48 بتاريخ 28-6-2016”

الأديب الرّوائي الأردني الياس فركوح:

السيرة الذاتية والرواية

” يقعُ المتابعُ لعددٍ من سِيَر الأدباء الذاتيّة على خطوةٍ أكثر حسماً باتجاه العالم الروائي، وذلك حين يتحوّل أصحابُها إلى شخصيات تتحركُ على مبعدة، يرصدونها كأنما هي ليست هُم، وذلك لوجود تلك المسافة الكافية لأن يتأملوا الماضي ومعاينة ذواتهم داخل ذلك الماضي”

“مجلة الجديد 01-07-2016”

الباحث الجزائري برقاد احمد:

“تعالق السيرة الذاتية بتخوم الأجناس السردية”

” كما يعتّبر الأسلوب الرّوائي الشّكل الأرقى-مقارنة بالأسلوب التّقليدي والأسلوب التّصويري- في تدوين السّيرة الذّاتية، من خلال إتاحته مساحة فسيحة للإبداع ويسمح للمخيّلة بأن تلعب لعبتها الفنيّة”.

” مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد  38 الصفحة 33.”

الأديب الروائي العُماني محمد اليحيائي:

الرواية والسيرة الذاتية: جدل التخييلي والمرجعي

” أعتقد أن عنصر ثالث وهي رواية السيرة الذاتية وهي عبارة عن الروايات التي تكتب من خلال السيرة الذاتية أو السيرة الذاتية التي تكتب من خلال الروايات.”

“موقع “أثير عُمان” 7 ديسمبر 2016.”

وجاء في موسوعة “ويكيبيديا”حول تعريف السيرة الذاتية:

“رواية السيرة الذاتية هي شكل من أشكال الرواية باستخدام تقنيات سيرة ذاتية خيالية أو دمج عناصر السيرة الذاتية والخيالية.”

9-09-2021

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات