ياسر جوابرة: قراءة في كتاب” رسائل من القدس وإليها”.

ي

“رسائل من القدس وإليها”كتاب نثري حديث الصدور،يندرج ضمن أدب الرسائل، ضم في ثناياه عشرات الرسائل بين شيخ كتاب القدس جميل السلحوت، والكاتبة المقدسية صباح بشير، ..وامتدت المراسلات على مدى احد عشر عاما بدءا من العام 2010، إلى نهاية 2021م، يقع الكتاب في 182 صفحة من القطع المتوسط، جاء معنونا ب” رسائل من القدس وإاليها” وكاني بالعنوان اللافت قد انحصر بين مؤلفين مقدسيين ، عاشا تجارب مختلفة في القدس وفي بلاد الغربة لظروف اقتضتها حياتهما الاجتماعية والمهنية.ويمكن ان نصنف الكتاب ضمن أدب الرحلات، على شكل رسائل متبادلة بين الطرفين، وأدب الرسائل أدب معروف في الأوساط الأدبية والثقافية، وله سماته وخصائصه التي يطول شرحها، فعرف القارئ رسائل إخوان الصفا، والرسائل الأدبية بين جبران ومي زيادة، وعبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي، وغسان كنفاني وغادة السمان، ومراسلات الرافعي مع غيره من الأدباء. والحقيقة أن أدب المراسلات يتضمن نوعا من الحوار، كما يشير أحد الباحثين في هذا المجال، فينتظر المرسل رد المرسل إليه او تعقيبه حول قضية ما.تصفحت الكتاب الممتع حقا، ولاحظت مدى تشعب الموضوعات المطروحة من الحديث عن الجوانب الاجتماعية والنشأة الأدبية والاجتماعية لكلا الكاتبين، من حديث عن سطوة المجتمع الذكوري والعادات والتقاليد السلبية ، و تشعبات السياسة وظلالها في المنطقة العربية وفلسطين بخاصة، ولاحظت أن الأديب جميل السلحوت قد أبدع في وصف تفاصيل دقيقة أثناء سفره المتكرر إلى أمريكا؛ فأسهب في ووصف المناظر الطبيعية والمحميات والأوضاع الاجتماعية والسكانية هناك، وكذلك بين في رسائله أوضاع الجالية الفلسطينية والعربية في الولايات المتحدة الامريكية،؛فمنهم من جد واجتهد ومنهم من انحرف وضاع وغاص في وحل المخدرات والقمار والانحراف الاخلاقي .أو الزواج من أمريكيات بهدف الحصول على الجنسيىة الأمريكية.حملت الرسائل أفكار الكاتب والكاتبة، واستطعنا من خلالهما التغلغل إلى طبيعة تفكير كل منهما وتصوراتهما حيال القدس والوطن وانرتهما إلى العادات والشعوب، فبدا السلحوت ساخطا على ما اسماه ب”ثقافة الهبل وتقديس الجهل:” وكيف استغل أولئك المتلفعون بعباءة الدين حاجات المرضى والتائهين من خلال أساليب الدجل والشعوذة ،عبر ما تقوم به فضائيات مختصة بالترويج لمثل هذا المنحى ،وتفننها في استلاب أموال البسطاء ومشاعرهم. كما تناولت رسائل الكاتب جميل السلحوت عادات اجتماعية متناقضة في التعامل مع مسألة الشهداء” الأكرم منا جميعا. وربما يبدو محقا في بعض جوانبها. والملاحظ من خلال رسائل جميل السلحوت حملت فكرا تقدميا مناهضا للاستغلال والهيمنة والرأسمالية، وتحكم الدول الاستعمارية بمقدرات الشعوب وتحطيمها كما في سوريا واليمن وليبيا وفلسطين ، في حين كانت رسائل صباح بشير اكثر نزوعا نحو الإنسانية والاعتدال في نظرتها للشعوب .و امتعتنا الكاتبة صباح بشير بحديثها عن بداياتها الأدبية ،وتشجيع والدها لها للقراءة من خلال القصص التي كان يعود محمّلا بها من عمله في المدرسة ، وتناولت بشير بعض مظاهر الظلم المجتمعي الذي تتعرض له المرأة، وهو ما توافق مع ما جاء في رسائل الأديب جميل السلحوت ، وأسهبت الكاتية في وصفها عن عادات الشعوب التي زارتها والاماكن السياحية فيها، وكأنها نقلت لنا عبر”عدسة متنقلة_(بانوراما) عن مشاهدها الحية في كل من دبي ولندن ،وجورجيا بتفاصيل تلك الأمكنة وخفاياها، فوصفت الأبراج والمتاحف والقصور، والساحات العامة في الأماكن التي زارتها، ويبدو أنها مفتونة بما وصلت إليه تلك الشعوب من رقي وحضارة ،وذكرني كلامها عن غياب “المحارم الورقية” والمناديل الناعمة في جورجيا ومعاناتها جرّاء هذا الأمر بما كتبه الأديب الراحل سلمان ناطور، عندما لم يجد ورق “التواليت” في مدينة احلامه موسكو، فشعر حينئذ بخيبة امل كبيرة.لا شك ان الكتاب”الرسائل” عمل نثري قيم، تناول الكثير من الاحداث كتهويد المدينة المقدسة والانحدار الثقافي والإعلامي في المنطقة العربية وفلسطين، وتكريم مدّعي الأدب والثقافة ومساواتهم مع كبار الكتاب، وانتهاء بالكورونا وما خلفته من آثار وخيمة في حياة الشعوب في نواحي الحياة كافة. وتناول الكاتبان أبرز محطات حياتهما الاجتماعية والمهنية والظروف الصعبة التي مرّا بها، وإن كانت أكثر مرارة كتلك التي عاشها الأديب جميل أثناء طفولته وشبابه وتجربته أثناء الاعتقال في سجن الدامون” عام 1969.وبرأيي النقدي المتواضع جدا، لم يضف الكتاب قيمة أدبية كبيرة بقدر ما ركز على جوانب حياتية واجتماعية مهمة تحسب للأديبين.وبالنسبة للغة الرسائل فجاءت متماسكة، سلسة تنقلت بين الحس الإنساني المرهف، إلى اللغة النقدية التي تسائل وتحاور، بانت الرسائل عن مدى الانسجام بين الكاتبين في كثير من النقاط، وتوضيح بعض الاختلافات السطحية. غلف تلك الرسائل مسحة من الود والاحترام المتبادل والمشاعر النبيلة.

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات