عن الروائي جميل السلحوت ورواياته

ع

د. أحمد رفيق عوض

أعرف الكاتب والروائي جميل السلحوت منذ أربعة وثلاثين عاماً. وخلال هذه السنوات الطويلة لم يتغير كثيراً، لا في نبرة صوته، ولا في طريقته في الكلام، ولا في توجهاته الفكرية والإبداعية، ولا حتى في أسلوبه ولغته. بقي كما عرفته أول مرة، واضحاً وحاداً وحاسماً، يكتب ويقول ما يريد من دون مواربة أو تزويق، بلغة تمضي إلى مقصدها مباشرة كما يمضي السهم إلى هدفه، فلا تعرف الالتفاف ولا تحب المواربة.وظل الرجل لأكثر من خمسة وعشرين عاماً يشرف على ندوة القدس الأسبوعية، تلك الندوة التي تكاد تكون النشاط الثقافي الأكثر ثباتاً واستمراراً في العاصمة المحاصرة، المدينة التي عمل الاحتلال على تجفيف حياتها الثقافية والسياسية، وسعى إلى إضعاف كل ما يمنحها القدرة على التنفس. لكن جميل السلحوت، بإصراره ودأبه، حوّل تلك الندوة إلى ما يشبه المؤسسة الثقافية الراسخة، ليس عبر اللقاءات وحدها، وإنما بالتوثيق والتأليف والإصرار على استمرارية الفعل الثقافي، حتى أصبحت الندوة جزءاً من ذاكرة القدس الحديثة.وهذا الكاتب المستعصم بجبل المكبر معروف بين الناس باسم “الشيخ جميل”، وهي رتبة اجتماعية لا دينية، اكتسبها لأنه شيخ بالفعل، يصلح بين الناس، ويقرب بينهم، ويتدخل لحل خلافاتهم في منطقة كثيراً ما تُركت لأعرافها وتقاليدها في ظل غياب الاهتمام الحقيقي من سلطات الاحتلال. هكذا عرفته قبل أربعة وثلاثين عاماً، وهكذا بقي حتى اليوم، ثابتاً على صورته الأولى، لا تبدله الظروف ولا تغيره السنوات.وفي السنوات الأخيرة أصدر جميل السلحوت عدداً من الروايات المتتابعة، وهي روايات تمثل فكره واتجاهه وأسلوبه تمثيلاً واضحاً. فالرواية عنده تسير بخط مستقيم، تتبع الأحداث بوضوح، وتتحرك شخصياتها في أماكن محددة يعرفها القارئ، من القدس إلى قراها وصحاريها، من دون افتعال أو قفزات بعيدة. إنها روايات تمتح من التجربة الشخصية ومن وقائع تكاد تنطق بواقعيتها الشديدة، حتى يخيل إلى القارئ أنه يعرف أصحابها أو عاش شيئاً من تفاصيلها.ولأن لغته قريبة وحادة وحاسمة، فإنها لا تترك مساحة واسعة للتأويل، فالسلحوت لا يحب الغموض، بل يفضل أن تكون الفكرة واضحة مثل الشمس. وهو القادم من خلفية يسارية، والعارف بأحوال الناس وظروفهم، والمشغول بالأسئلة السياسية والاجتماعية، يحول رواياته إلى مختبر للتحليل والاستخلاص، فلا يكتفي بسرد الحكاية، وإنما يبحث دائماً عن معناها العميق وما تقوله عن المجتمع والإنسان.وقد استطاعت رواياته أن ترتفع من مستوى الحكاية إلى مستوى أوسع، فتحولت الشخصيات إلى نماذج تمثيلية، وصارت الأحداث نوعاً من المحاكمة الاجتماعية والسياسية والفكرية. لم يتخل الشيخ جميل يوماً عن موقعه أو عن آرائه، بل جعل من الرواية أداة أخرى من أدوات نضاله الاجتماعي والسياسي، ولذلك نجد في أعماله إدانة صريحة للفساد والطبقية والفقر والدجل، كما نجد دفاعاً واضحاً عن المرأة والأسرة والإنسان البسيط الذي يدفع دائماً أثمان أخطاء الآخرين.إن رواياته تشير إلى السواد من أجل البحث عن البياض، وتكتب عن الفاسد فينا من أجل الوصول إلى الطيب، وتغوص في الجرح لأنها تؤمن أن الاعتراف به هو الطريق إلى الشفاء. وربما لهذا السبب تبدو شخصياته قريبة منا، ونشعر أنها تتحرك بيننا لا على صفحات الكتب.وقد لا تحظى تجربة جميل السلحوت الروائية بما تستحقه من كتابة نقدية أو احتفاء إعلامي، في زمن تكتسح فيه الأسواق صرعات روائية عابرة، تصنعها الدعاية أكثر مما يصنعها الأدب. والسلحوت ليس كاتباً رائجاً بهذا المعنى، لكنه بالنسبة لي كاتب أصيل، صاحب تجربة حقيقية تستحق القراءة والتأمل وإعادة الاكتشاف.وأكتب عنه اليوم، وهو في عقده السابع أو ما بعده، ليس فقط لأنه روائي أصيل، بل لأنه يمثل أيضاً نموذجاً نادراً للشخصيات التي لا تبدل ولا تغير، الشخصيات التي تبقى وفية لما آمنت به منذ البداية، وتدفع ثمن هذا الوفاء بصبر وهدوء ومن دون ضجيج. وفي زمن تتغير فيه الوجوه والمواقف بسرعة مذهلة، تبدو هذه القدرة على الثبات فضيلة تستحق الاحترام، و تستحق الاشادة أيضاً. عرض أقل

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات