د.ناصر العباسي: في ضيافة جميل السلحوت

د


هناك رجال لا تكتفي بلقائهم مرة واحدة، بل تشعر أن كل جلسة معهم تضيف إلى رصيدك شيئًا من المعرفة والحكمة، وأن الوقت برفقتهم يمضي أسرع مما ينبغي. ومن هؤلاء الأديب والروائي الفلسطيني جميل السلحوت (أبو قيس)، الذي أحب، كما يحب كثيرون، أن أناديه بكل تقدير: الشيخ جميل.تشرفت بالأمس بتلبية دعوته، برفقة نخبة من الأصدقاء والمثقفين والتربويين، وكانت جلسة تجاوزت حدود اللقاء العابر، لتتحول إلى رحلة ممتعة بين الأدب والتاريخ والقدس والناس. جلست إلى جواره، وما إن بدأ الحديث حتى أدركت أنني أمام ذاكرة فلسطينية نابضة بالحياة. كان يسرد الحكايات بسلاسة، ويستحضر المواقف والتجارب بدقة لافتة، حتى تشعر أنك تعيشها معه لحظة بلحظة.ولا أنسى ذلك المشهد الذي رافق الجلسة؛ أبو قيس يجلس بهدوئه المعهود، والسيجارة بين أصابعه، يتصاعد دخانها في أجواء المكان بهدوء، بينما يواصل حديثه الممتع، متنقلًا بين الذكريات والحكايات والأفكار. كان في المشهد شيء من البساطة والتأمل، وكأن الدخان يرافق رحلة الكلمات التي تنطلق من ذاكرة رجل عاش مع الأدب والتاريخ والإنسان. تفاصيل صغيرة، لكنها تضيف إلى اللقاء طابعًا خاصًا، وتبقى عالقة في الذاكرة.تعرفت إلى الشيخ جميل قبل سنوات في ندوة “اليوم السابع” التي تُعقد في مسرح الحكواتي بالقدس، ومنذ ذلك اللقاء أدركت أنني أمام قامة ثقافية استثنائية. فهو ليس روائيًا أو قاصًا فحسب، بل صاحب مشروع ثقافي كرّس حياته لخدمة الأدب الفلسطيني، وتوثيق الذاكرة الوطنية، والدفاع عن الهوية بالكلمة الصادقة.على امتداد مسيرته، قدّم جميل السلحوت إنتاجًا أدبيًا ثريًا في الصحافة والرواية والقصة والمقالة، وأسهم في إثراء المكتبة الفلسطينية والعربية، وظل حاضرًا في الندوات والملتقيات الثقافية، مؤمنًا بأن الكلمة الواعية رسالة، وأن الأدب ليس ترفًا، بل مسؤولية تجاه الإنسان والوطن.ولم تقتصر رسالته على الكتابة، بل امتدت إلى ميدان التربية والتعليم، حيث عمل معلّمًا للغة العربية في مدرسة الرشيدية بالقدس قرابة 13 عامًا، وقد لفت انتباهي حديثه عن تلك المرحلة، إذ كان يرى أن التعليم الحقيقي لا يقوم على الحفظ والتلقين، بل على الحوار، وإثارة التفكير، وتنمية شخصية الطالب. لذلك لم يكن غريبًا أن يلتف حوله طلابه في ساحة المدرسة أثناء الاستراحة، محبةً واحترامًا، في صورة تربوية نفتقد مثلها كثيرًا في أيامنا هذه.وخلال هذا العام، طلبت من أبي قيس أن يشارك بمقال ضمن مبادرة “أقلام رمضانية” على صفحة مدرسة سلوان الإعدادية للبنين، فلم يتردد لحظة، وأرسله إليّ عبر “فيسبوك” مستخدمًا جهاز الحاسوب، فهو لا يحمل هاتفًا محمولًا، مفضّلًا البساطة والهدوء. وفي مقاله استعاد ذكريات طفولته في خمسينيات القرن الماضي، حين كان يتابع الدرس من نافذة الصف قبل أن يُسمح له بالدخول، في مشهد يجسد شغفه المبكر بالعلم، ويكشف كيف تصنع الإرادة طريقها إلى النجاح. فمن تلك البدايات المتواضعة، واصل رحلته حتى أصبح أحد أبرز الأصوات الأدبية الفلسطينية، بعد سنوات طويلة من الاجتهاد والعطاء.الجلوس مع جميل السلحوت ليس مجرد حديث عابر، بل هو لقاء مع الأدب، والتاريخ، واللغة، والقدس، والإنسان. ينتقل بك من قصة إلى أخرى، ومن موقف إلى حكمة، ومن ذكرى إلى فكرة، فتغادر مجلسه وأنت تحمل من المعرفة أكثر مما كنت تتوقع.غادرت مجلس أبي قيس، لكن حديثه بقي يرافقني. أدركت أن بعض الرجال لا يُقاس حضورهم بعدد الكتب التي ألّفوها، ولا بعدد السنوات التي قضوها في ميادين العمل، بل بالأثر الذي يتركونه في نفوس الناس. وجميل السلحوت واحد من هؤلاء؛ أديب حمل القدس في قلبه، وفلسطين في قلمه، والإنسان في وجدانه، فاستحق أن يبقى شاهدًا على زمن، وصوتًا لوطن، وقدوةً لكل من يؤمن بأن الكلمة الصادقة قد تصنع ما لا تصنعه الضوضاء، وأن الأثر الطيب هو البصمة التي لا تمحوها الأيام.

14-7-2026

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات