رواية” أمضي أم أعود” لفوزي نجاجرة في ندوة اليوم السابع

ر

القدس: 22-10-2026 من ديمة جمعة السمان

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية الأسبوعية رواية ” أمضي أم أعود” للكاتب الفلسطيني فوزي نجاجرة.

صدرت رواية” أمضي أم أعود” عام 2023 عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله، وجسور ثقافية للنشر والتوزيع في عمان، وتقع في 177 صفحة من القطع المتوسط، ولوحة الغلاف للفنان عماد أبو اشتية.

افتتحت النّدوة مديرتها ديمة جمعة السمان التي رحبت بالكاتب والحضور وقالت:

يسعدنا أن نرحب اليوم بالكاتب الفلسطيني فوزي بدر نجاجرة، المولود في قرية نحالين قرب بيت لحم عام 1959، والمقيم في بيت صفافا بالقدس. قد تمت استضافة كاتبنا سابقا في الندوة.. اذ ناقشنا له رواية: غربة.

عمل ضيفنا في مجال التعليم خمسة عشر عامًا، وبدأ نشر شعره في الصحف الفلسطينية خلال ثمانينيات القرن الماضي. ثم اتجه إلى الرواية، وأصدر عددًا من الأعمال، من بينها “حكايات فالح”، و”الصومعة”، و”ستشرق الشمس ثانية”، و”رقصة التوت”، و” غربة” “وأمضي أم أعود؟” التي سنناقشها في هذا اللقاء. كما شارك في تأليف كتب أدبية مشتركة، تُرجم بعضها إلى لغات أخرى.

اهلا بكم جميعا، نتطلع إلى حوار ثري حول رواية ” أمضي أم أعود” ، وإلى مداخلات واسئلة  تضيف إلى النقاش تنوعًا وعمقًا.

وأضافت مديرة الندوة السمان:

تطرح رواية “أمضي أم أعود؟؟؟” للكاتب فوزي بدر نجاجرة قضية اجتماعية مهمة، هي أثر تربية الأبناء في بناء شخصياتهم، والنتائج التي قد تترتب على التدليل المفرط. وتظهر هذه الفكرة من خلال خديجة التي كرّست حياتها لابنها وسيم بعد استشهاد والده، ومنحته حبها ورعايتها بلا حدود، حتى إنها لم تفطمه إلا بعد أن تجاوز الثامنة من عمره. وتقدم الرواية بذلك صورة لأم اعتقدت أن التضحية بكل شيء من أجل ابنها ستضمن سعادته ونجاحه، لكنها لم تنتبه إلى أن الحبّ يحتاج أيضًا إلى حدود وتربية على المسؤولية.

وعلى الرغم من تفوّق وسيم في دراسته، وحصوله على شهادة جامعية بتقدير مرتفع، وحصوله على وظيفة محاسب في إحدى البنوك، لم يقدّر تضحيات أمِّه وعطاءَها اللامحدود له. لقد نجح الكاتب في إظهار التّناقض بين النجاح العلمي والنضج الإنساني، لكنه بالغ أحيانًا في تفسير شخصية وسيم وشرح صفاتها، بدل أن يترك تصرفاته تكشف عنها بصورة طبيعية وتدريجيّة.

وتتمثل المشكلة الأبرز في التحول الحاد الذي يطرأ على شخصية وسيم. ففي واقعة الاحتفال بعيد الأم في البنك، يطلب من أمه تغيير ثوبها الأخضر وارتداء ثوب أحمر أو أصفر، وحين ترفض، ينفجر غضبًا ويعتدي عليها، ثم يحاول إلقاءها في البئر، لولا تدخل أصدقائه وإنقاذها. إن الانتقال من خلاف على لون ثوب إلى محاولة قتل الأم قفزة كبيرة تحتاج إلى تمهيد نفسي ودرامي أقوى. فالرواية تعرض تدليل وسيم وغروره، لكنها لا تبني بما يكفي المراحل التي تقوده إلى هذا العنف الشديد. لذلك يبدو الحدث صادمًا، وليس مقنعًا بالقدر الكافي، وكان من الأفضل أن نرى مواقف سابقة تكشف قسوته المتزايدة وتصاعد عدوانيته تدريجيًا.

وكان يمكن أن تصبح المواجهة أكثر تأثيرًا لو تدرّجت الأحداث، وتراكمت الخلافات حتى تصل إلى ذروتها بصورة طبيعية.

وفي المقابل، تحمل رحلة خديجة بعد هروبها جانبًا إنسانيًا لافتًا؛ إذ تبدأ حياة جديدة باسم “أم الوفا”، وتعمل في بيع الخضار، ثم تفتح مقهى، قبل أن تمر بأزمة نفسية وتجد في الكتابة طريقًا لاستعادة توازنها. غير أن تعدّد هذه المحطّات يحتاج إلى ربط درامي أكثر إحكامًا حتى لا تبدو بعض التحولات متسارعة.

ويغلب على بعض المقاطع السّرد التقريري والخطابي، خصوصًا حين يشرح الراوي صفات الشخصيات أو يقدم العبرة مباشرة. وكان الحوار بين الشّخوص، والمواقف التي تم سردها كافية لإيصال كثير من هذه المعاني دون تفسير متكرر. كذلك تحتاج الرواية إلى مراجعة لغوية دقيقة؛ فالأخطاء والتراكيب غير السليمة تؤثر في انسياب القراءة وتضعف جودة النّص.

في المحصلة، تمتلك الرواية فكرة تربوية مهمة وشخصية أم مؤثّرة، لكنّها لا تحقّق كامل قوتها بسبب ضعف التدرج في التحولات الحاسمة، والمباشرة في السرد، والحاجة إلى تحرير لغوي أفضل. فالموضوع يستحق المعالجة، لكن صدق الفكرة وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من بناء درامي يجعل الأحداث الكبيرة، مهما كانت قاسية، نابعة من مسار الشخصيات ومقنعة للقارئ.

وقالت د. مريم المصري:

    يضعنا الروائي نجاجرة منذ قراءتنا لعنوان روايته إلى حدث يقتضي من أبطالها العودة إلى الزمن الماضي اليوتيوبي الجميل، والانتصار على الذكريات المؤلمة وتحمل الواقع المرير في سبيل العيش بعيدًا عن ألم الحنين إلى الماضي، فرواية الكاتب تأتي ضمن ثنائيات، هي: الخير والشر، الحنين إلى الماضي والتطلع نحو المستقبل، والظلم والأمل كلها تجتمع في فلك شخصيات الرواية.

    في تأملنا للوحة الغلاف التي حرص على اختيارها الكاتب كونها تتناسب ومضمون الرواية، فنرى شخصية تتطلع بعينيها صوب السماء تفكر بمستقبلها وحياتها، تقابلها امرأة أخرى تنظر إليها فوق جسر ماء بزمنها الماضي الدالة عليه، ولا يخفى وجود الساعة وعقاربها في عنق المرأة وهي نقطة مهمة تشير إليها قضية الزمن والوقت التي جعلت منها تتغلب على قهر الزمان، وألمه، كما نرى في اللوحة أشكالًا لطيور مهاجرة تدل على الاغتراب، فاللوحة بألوانها ومضمونها تجسد اغتراب ومعاناة شخصيات الرواية.

    تعالج الرواية موضوعًا اجتماعيًا واقعيًا هامًا يرسمه لنا عقوق الأمهات في لحظة وفاة الأب وغيابه، فتضطر خديجة بعد إنجابها من زوجها الطفل وسيم أن تعتني به وتقدم له كل ما يحتاجه؛ ليتميز في حياته العلمية والمهنية؛ لكن في لحظة يتوقف الزمن فيها ليعامل الابن أمه معاملة قاسية يقدم فيها الابن على قتلها، فتقرر الهروب بعيدًا بين الحقول الخضراء، ولتأخذ من الأرض نقطة انطلاق جديدة في بيعها من خيراتها حياة وخصبًا، ولتنتهي بها الأيام إلى فتح مقهى أدبي يجمع ثلة من الأدباء الكبار والدكاترة أصحاب التخصصات العلمية، وليكون هذا المقهى محطة إشهار لعدد من الكتب القيمة يجمع فيه حوارات ونقاشات أدبية مهمة.

    بالرغم من قسوة الزمن على خديجة ومرضها وأخذها لدواء البروزاك الذي أثر على نفسيتها إلا أنها لم تستسلم وأخذت من قلمها جانبًا مشرقًا في كتابتها لرواية تحدثت فيها عن معاناتها وألمها وخروجها منه، ولتنتهي الرواية بفوز خديجة (أم الوفا) في الرواية التي كتبتها، ولتدور عجلة الزمن ويأتي اليوم الذي تقابل فيه ابنها وسيم أمام الحضور الذي شرف الحفل؛ للإعلان عن الرواية الفائزة في المساب

وقالت د. رفيقة عثمان:

  رواية أمضي أم أعود، تناولت سرديّة أجتماعيّة؛ لحياة أسرة فلسطينيّة، بطلتها امرأة فلسطينيّة، عاشت حياة قاسية، بعد استشهاد زوجها. وقامت بتربية ابنها حتّى تخرّج، وأصبح موظّفًا مرموقًا. هذا الابن لم يحافظ على والدته؛ بل حاول قتلها وإسقاطها في بئر.

  اختار الكاتب عنوان الرّوابة، نظرًا للصّراع النّفسي الّذي واجهته الأم خديجة؛ حين غادرت البيت سرًّا، وفي منتصف الطّريق حاورت نفسها: أمضي أم أعود؟ كما ورد صفحة 63 “لماذا لا أعود أدراجي إلى بيتي؟ أمضي أم أعود؟ برأيي الشّخص طرح الكاتب فكرة فريدة من نوعها، وهي نادرة الحدوث في المجتمع؛ كيف لأم تضحّي بنفسها، وتمنح ابنها كل احتياجاته، حتّى وصل لأعلى المستويات، ويصبح الابن ناكرًا للجميل والعطاء؟ فهذه النتيجة نادرة الحدوث! خاصّةً في المجتمع العربي والفلسطيني على وجه التّحديد.

  نهج الكاتب تقنيات مختلفة في أسلوب السّرد، استخدم تقنيّة تبادل الرّسائل؛ كما ورد بين خديجة البطلة، وزوجها خالد، بعد طلاقهما أثناء الزّفاف بتأثير من العائلتين، على خلفيّة خلاف عائلي قديم. كذلك استخدم نجاجرة تقنيّة الذكريات، والتّذكّر؛ بالإضافة لكتابة المذكّرات للبطلة خديجة (زبيدة أم الوفا) حيث قامت بتغيير اسمها بعد مكوثها في مدينة بعيدة عن أسرتها، والسّكن عند أم بشير، زوجة الأسير، وعائلتها. تضمّنت الذّكريات، سيرة حياة البطلة خديجة، والّتي جمعتها في كتاب أسمته: أمضي أم أعود؟. قامت بمساعدتها د.سميّة ابنة أم بشير، فهي مُحاضِرة في الجامعة. فازت هذه القصّة بجائزة التميّز من قٍبل الجامعة بالتّعاون مع برنامج الأسرة السّعيدة.

 الاستحضار أيضًا كان من التّقننيات المُستخدمة في الكتابة، كما ورد عند استحضار خديجة لابنها وتربيته بمراحل عمره المختلفة.

  تخلّل الرّواية الحوار الذّاتي، خاصّة ما ورد على لسان البطلة. “ماذا جنيت أنا؟ من أجل ماذا تقتلي يا ابني؟ .. من أجل ماذا تغدر بي يا ولدي؟” وهكذا. كذلك الحوار الخارجي بين أفراد أسرة أم بشير، والحوار الأهم بين زبيدة (خديجة) والطّالبة الجامعيّة إقبال.

  اشتملت الرّواية على إقتباسات عديدة مثلًا من الكاتبة أحلام مستغانمي ن رواية عابر سرير ص 115.” إنّ هناك أناس إذا قدّمت لهم خدمات كبيرة إلى الحدّ الّذي لا يمكن الرّدعليه، يردّون عليك بنكران الجميل، فيصبح عدوّك لفرط ما أحسنت إليه ، كذلك لا بدّ أن تعذر من تنكّر لك. ماذا أستطيع فعله ضد النّفس البشريّة؟.”  اقتبتس آخر لشاعرة بدوي، واقتباس من الشاعر حافظ إبراهيم “ما الكتب إلّا عقول الأجيال حُفظت في الورق”.ص 170.  ذكر الكاتب أغنية للمطربة نجات الصّغيرة “أنا بستنّاك” كاملة ص 33؛ برأيي لا ضرورة لذكر القصيدة كاملة؛ بل يكفي ذكر اسمها فقط، وتأثيرها على نفس (خديجة). اقتباس آخر من كتاب ألف لية وليلة المجلد الثّاني ” لا تأمننّ من أمسكت مهجته غيظًا وتحسب أنّ الغيظ قد زالا. – إنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها .. تُبدي انعطافات وتخفي السّم قتّالا.”. اعتقد بأنّ الاقتباسات المستخدمة ليس مبالغ فيها، وتتناسب مع الأفكار في السّرديّة.

    امتازت لغة الرّواية بالفصحى السّرديّة، والتّقريريّة، والبسيطة، فهي تكاد تخلو من اللّهجة العاميّة؛ وملاحظ فيها ارتفاع وانخفاض أحيانًا، في استخدام المحسّنات البديعيّة. اعتمد الكاتب على اللّغة الحواريّة اليوميّة، بما فيها التّعبيرات العاميّة أحيانًا؛ بالإضافة للّغة التّأمليّة والوجدانيّة، عند تأمل الكاتب في التّفكير في البراءة والشّر والأمومة، والأدب والحياة. يميل الكاتب للوصف التّفصيلي، خاصّة في تصوير الملامح والانفعالات؛ وتوظيف التّأملات المباشرة لتوجيه القارئ نحو دلالات أخلاقيّة واجتماعيّة. برأيي من المُفضّل ترك مساحة للقارئ؛ للاستنتاج الذّاتي.

  للأسف تتواجد أخطاء نحويّة ولغويّة عديدة، لا حِصر لها؛ من الممكن تحميل المسؤوليّة على دار النّشر؛ كان بالأحرى أن تعرض الرّواية على لجنة مختصّة، وذلك قبل عرضها للطّباعة النّهائيّة. هكذا تتصرّف دور النّشر الّتي تحترم مكانتها.

  زمنكيّة الرّواية تتحدّد في منطقة فلسطين، ومن الاستدلال بتاريخ حدوث الرّواية من تاريخ تحرير الاسرى، بصفقة جلعاد شاليط 2011، عندما تحرّر الأسير أبو بشير؛ أي قبل بعشرين عامًا تقريبًا. الزّمن لا يقتصر على تعاقب الأحداث، بل يرتبط بالذّاكرة والمعاناة، والأمل. ينتقل السّرد بين الأحداث الحاضرة واسترجاع أحداث من الماضي.

  تتّصف الرّمزيّة بتوظيف الماضي والعودة، والصّمت بوصفها دلالات تتجاوز معناها المباشر؛ كما وُصفت نهاية الرّواية، بموقف الصّمت الّذي ساد، بعد الصّدمة الّتي تعرّضت لها خديجة وأغمي عليها؛ عندما استلمت الجائزة الفائزة بأحسن رواية في الأدب؛ وكان المانح هو إبنها المدير العام (وسيم). هنا نجد بأنّ النهاية مفتوحة، ويحكمها الصّمت كما يفسّرها القارئ على هواه. هنا نهاية الرّواية كانت صادمة وغير مقنعة، أتساءل: هل ممكن أن يمر أكثر من عشرين عامًا على غياب الأم عن ابنها دون أن يبحث عنها؟ أو على الأقل أن يكون تمهيد للنّهاية.

    تجلّت الصّراعات الدّاخليّة في الرّواية، بشكل لافت؛ خاصّة في شخصيّة البطلة نفسها، كما برز في العنوان، وبرزت في الحوارات المونولوجيّة؛ كذلك الصّراع الخارجي: ظهر عندما عاشتها الشّخصيّات في مواجهة العنف والظّلم، والظروف الاجتماعيّة القاسية، يظهر الصّراع بوضوح في حادثة ليلة الزّفاف (وسيم وخديجة)، وما يترتّب عليها من تغييرات. برأيي ظهرت هذه الصّراعات بصدق العاطفة، والألم، والخوف.

برأيي الشّخصي: إنّ الكاتب نجاجرة، أراد أن يُبرز دور، وبطولة المرأة الفلسطينيّة والنّساء الفلسطينيّات، وقدرتهنّ على الاحتمال، والصّبر والتّكيّف في أصعب المواقف وأقل الإمكانيات؛ بالإضافة لتقديم التّضحيّة؛ لأجل أسرهن، في ظل أسْر رب العائلة أو استشهاده. تعدّدت أصوات النّساء في الرّواية (خديجة ام وسيم – أم بشير زوجة الأسير – وسميّة دكتورة في الأدب العربي ( ابنة أم بشير) وفتيات عديدات حضرن في المقهى الثّقافي لأم الوفا زبيدة (خديجة). كل النّساء ساهمن في دعم زبيدة أم الوفا (خديجة) أثناء غربتها. برأيي نجح الكاتب في اختيار النّساء، وإظهار مواقفهن في الأوقات الصّعبة. فالمرأة ترمز للوطن، وتعكس همومه ومعاناته، وصموده وانتصاراته.

  خلاصة القول: تعتبر رواية “أمضي أم أعود” رواية تمحورت حول تجربة إنسانيّة واجتماعيّة لمعاناة المرأة الفلسطينيّة بالذّات، وتأثير الماضي في الحاضر؛ والقدرة العظيمة في تحويل الألم، إلى أمل وقصّة نجاح وإنجاز؛ إلّا أنّ هنالك مبالغة في التّفاصيل والتّفسيرات الانفعاليّة المُبالغ فيها.

  يبقى السّؤال مفتوحًا أمام القارئ: هل ممكن المُضي قدمًا، ونسيان الماضي الأليم؟ أم أنّ مواجهة الماضي وفهمه هما الطّريق الحقيقية إلى التّحرّر.؟. تقدّم هذه الروّاية رسالة إنسانيّة واجتماعيّة، تركّز على الأمومة والرّحمة ومقاومة الظّلم. تعتبر الرّواية من النوع الأدبي كرواية اجتماعيّة واقعيّة، تمتزج فيها الأبعاد النّفسيّة والإنسانيّة، والوطنيّة؛ لتصوّر الصّراعات الإنسانيّة داخل الأسرة والمجتمع،  وتُظهر تأثير الماضي على المُستقبل.

  هنيئًا للكاتب نجاجرة، وأمنياتي له بإبداعات أخرى.

وقال يحيى القطب:

ثمة روايات تنتهي بانتهاء صفحاتها، وثمة روايات تبدأ بعدها؛ لأنها تترك في ذهن القارئ أسئلةً لا تغادره بمجرد إغلاق الغلاف.

وقد كانت “أمضي أم أعود؟” من هذا النوع، إذ وجدتني أتحاور مع أفكارها وشخصياتها أكثر مما أتابع أحداثها.

رواية أمضي أم أعود- عمل سردي إنساني اجتماعي، يعكس بصورة رمزية جانبًا من حال المجتمع الفلسطيني، لكنه في الوقت نفسه يتجاوز جغرافيته ليطرح أسئلة إنسانية أوسع عن الوفاء والاختيار والتضحية.

صدرت الرواية عن دار نشر عمان، جسور ثقافية للنشر والتوزيع لعام ٢٠٢٣، عدد صفحاتها ١٧٧ صفحة – من القطع المتوسط.

منذ الصفحات الأولى، نجح الأستاذ فوزي في رسم شخصية خالد بحضور لافت؛ بدءًا من مشهد التقاطه الطفل وإنقاذه من الموت، ثم إصراره على الزواج من خديجة رغم ما بين العائلتين من خلافات، وصولًا إلى مشهد استشهاده الذي جاء مؤثرًا، فكان – في تقديري – من أجمل محطات الرواية وأكثرها رسوخًا في الذاكرة.

كما لفتني الأسلوب الوصفي الهادئ، واللغة الشاعرية التي لا تخلو من العذوبة، فضلًا عن حسن توظيف الاقتباسات الأدبية والأغنيات العربية الكلاسيكية؛ فحضور أسماء مثل حافظ إبراهيم، وليلى مراد، ونجاة الصغيرة، لم يكن مجرد استدعاء للتراث، بل جاء منسجمًا مع الحالة الشعورية للنص، فأضفى عليه دفئًا وحنينًا زادا من أثره في نفس القارئ.

وتحسب للرواية قدرتها على ملامسة قضايا إنسانية واجتماعية متعددة؛ من التضحية والأمومة، إلى العقوق والاغتراب، مرورًا بأثر الصدمات النفسية، وكيف يمكن للكلمة والكتابة أن تتحولا إلى وسيلة للمداواة واستعادة الإنسان لذاته.

ومع ذلك، فقد توقفت طويلًا أمام التحول النفسي في شخصية ((وسيم))!!

فقد بدا لي أن الانتقال من الأنانية والجحود إلى محاولة قتل أمه يحتاج إلى تمهيد نفسي أعمق، وإضاءة أوفى على جذور هذا التحول، خاصة أن الرواية قدمت خالد وخديجة بوصفهما نموذجين للنبل والخلق.

ولو أن هذا السلوك ارتبط باضطراب نفسي واضح، أو جاء في مرحلة عمرية يكثر فيها الاندفاع كالمراهقة، لكان أكثر إقناعًا من الناحية النفسية.

أما أن يبلغ الأمر حد التفكير في إلقاء أمه في البئر، فقد شعرت أن هذا المنعطف كان بحاجة إلى تأسيس أمتن، حتى يبدو امتدادًا طبيعيًا لما سبقه، لا قفزة مفاجئة في مسار الشخصية.

وربما كان هذا هو السؤال الذي ظل يرافقني حتى الصفحة الأخيرة؛ لا اعتراضًا على الفكرة في ذاتها، وإنما رغبة في أن أرى خيوطها النفسية أكثر إحكامًا ووضوحًا.

كما شعرت أن بعض الخطوط السردية الجانبية، على ما فيها من جمال في ذاتها، كان يمكن اختصارها، لأنها لم تضف كثيرًا إلى تطور الخط الرئيسي للرواية، وإن كنت أتفهم رغبة الكاتب في رسم لوحة اجتماعية أوسع، تتجاوز حكاية خديجة إلى تصوير المجتمع من حولها.

وأعجبتني جدًا فكرة جعل الكتابة نفسها طريقًا إلى العلاج والخلاص؛ فأن تتحول الآلام المتراكمة إلى رواية، ثم تصبح تلك الرواية سببًا في استعادة البطلة لتوازنها وحياتها، فكرة تحمل دلالة إنسانية جميلة، وتمنح النهاية بعدًا يتجاوز مجرد المصالحة الأسرية إلى انتصار الإنسان على جراحه.

ولعل الملاحظة الأخيرة تتعلق باعتماد الرواية على عدد من المصادفات التي جمعت بين شخصياتها في أكثر من محطة مفصلية؛ فمن لقاء خالد بخديجة، إلى لقاء أم الوفا بابنها في لحظة التتويج، مرورًا بتقاطع طريقها مع سمية وإقبال، شعرت أن المصادفة كانت في بعض المواضع محركًا للأحداث أكثر من كونها نتيجة طبيعية لاختيارات الشخصيات.

وربما لو خُفِّف الاعتماد عليها، لاكتسب البناء السردي مزيدًا من الواقعية والإقناع.

وفي النهاية، لا يسعني إلا أن أهنئ الأستاذ فوزي نجاجرة على هذا العمل، الذي يراهن على الإنسان قبل الحدث، وعلى المشاعر قبل الإثارة، ويطرح أسئلة تستحق التأمل حتى بعد الفراغ من قراءته. واختلافي مع بعض الخيارات الفنية لا يحجب تقديري للجهد الواضح الذي بُذل في بناء هذا العالم الروائي، ولا الاحترام الذي أكنه لكاتب يمتلك لغة جميلة، ورؤية إنسانية صادقة، ويعرف كيف يفتح باب الحوار حول عمله، وهي في نظري ميزة لا تقل قيمة عن العمل نفسه.

وقال بسّام داوود:

الرواية اجتماعية واقعية جائت باسلوب شيق ولغة سهلة .

تدور احداثها حول الفتاة خديجة معلمة الروضة والشاب خالد التقيا صدفة في الشارع في لحظة مشاهدتهما سقوط طفل من على منزلهم فسارعا لانقاذه وتمكن خالد الشاب الشهم من التقاطه بين ذراعيه قبل وصوله للارض ومنذ هذا اللحظة اعجبت به خديجة ودخل قلبها وتمنت الارتباط به كما انه هو احبها ودخلت قلبه .

تمر الايام يتعارفا جيدا ويتفقا على الارتباط معا تتم الخطوبة ثم يتفقان على موعد الزواج .

في يوم زفافهما كانت الامور تسير على خير وجه لكن فجأة قام اهل العريس بالاعتداء على اهل العروس بسبب خلافات سابقة بينهما عمرها اكثر من 30 عاما ويتوسع الشجار بينهما لينتهي بطلاق خالد لعروسه بضغط من اهله لكنهما يستمران في حبهما ويتحديا كل الخلافات العائلية ويتفقا على الهجرة من بلدتهم الى مدينة بعيدة وهناك يتم الزواج ويعيشا حياة سعيدة هانئة .

بعد مرور سنة على زواجهما يرزقهم الله بطفل جميل اسموه وسيم لكن الفرحة لم تتم فاثناء عودتهما للبيت بعد زيارتهما للعيادة الطبية يعترضهما حاجز عسكري ويطلق النار على خالد فيستشهد .

تضطر خديجة للعودة الى بلدتها هي وطفلها وتتعهد ان تقدم كل عمرها لابنها لتربيته وتعليمه وقد رفضت كل عروض الزواج التي تقدمت لها .

يكبر وسيم ويدخل الروضة ثم المدرسة ويصل الصف الثالث وهي ترضعه من صدرها من شدة حبها له حتى انهم اطلقوا عليه في المدرسة الولد المدلل , ويتفوق في دراسته ويصل الثانوية العامة فيبدع في الرسم والفن ونظم الشعر واخذت تتباهى وتفتخر به اشد الافتخار ثم يدخل الجامعة ويحصل على بكالوريس محاسبة ويحصل بعد ذلك على وظيفة في بنك الاسرة السعيدة .

بدأ وسيم يشعر بالغرور لم يكن يفكر من كان وراء نجاحه لم يخطر على باله ان امه هي السبب في ذلك وانها اعطته كل  ما تملك حتى انه اعتقد ان وجود امه على هذه الارض يرجع لفضله هو , تكون لديه مفهوم خاطئ تجاه امه وغيرها اصبح يأخذ ولا يعطي تكون لديه مفهوم التملك والاستحواذ ومفهوم الأنا فتغيرت مسلكياته .

حاول طرد امه من البيت عدة مرات ووصل به الامر للشروع بقتلها بالقائها في البئر لانها قالت له لا عندما طلب منها تغيير فستانها الى  اللون الاحمر بدل اللون الاخضر لحضور احتفال البنك بمناسبة عيد الام فهاج وماج وبدأ بشتمها وضربها والفضل يعود لاصدقائه الذين تمكنوا من انقاذها من شروره .

ضاقت عليها الدنيا بما رحبت وقررت الهجرة لمدينة بعيدة عنه وسارت وتحملت الصعوبات والمخاطر واثناء سيرها راودتها فكرة امضي ام اعود لكنها واصلت المسيرة ووصلت المدينة المقصودة واحضنتها عائلة ام بشير هذه العائلة الطيبة التي تقوم ام بشير بالعمل والانفاق عليها بسبب الحكم على زوجها بالمؤبد في سجون الاحتلال وساعدتها ام بشير بايجاد السكن لها والعمل معها في سوق الخضار ونجحت في ذلك واصبحت هي وام بشير صديقات حميمات وقد غيرت خديجة اسمها الى زبيدة ام الوفا وكانت تملك خبرة جيدة في صنع القهوة فغيرت عملها هي وام بشير لافتتاح مقهى بالقرب من الجامعة بعد ان قامت البلدية بهدم سوق الخضار لترميمه ونجحن نجاحا كبيرا في هذا المقهى وبسبب حب ام الوفا للقراءة والمطالعة جذبت الكثير من الادباء والشعراء لهذا المقهى لعمل الندوات الثقافية والادبية وبتشجيع من الدكتورة سمية ابنة ام بشير مما اشهر هذا المحل ووفر لهن دخلا جيدا واصبح الجميع يحب ام الوفا لكن للاسف مرضت ام الوفا مرضا صعبا اصيبت بالهلوسة والوسواس وتدهورت صحتها واخذتها الدكتورة سمية الى طبيب نفسي وشخص مرضها بانه مرض الشيزوفرينيا وصرف لها ادوية لم تتحسن عليها بسبب التشخيص الخاطئ للمرض وازدادت صحتها سوءا الى ان اخذتها الدكتورة سمية الى طبيب نفسي اخر اكثر خبرة وشخص مرضها على انه الوسواس القهري وصرف لها الادوية المناسبة واخذت صحتها تتحسن بشكل ملحوظ مما مكنها للعودة للعمل بعد تشافيها .

بدأت في كتابة قصة حياتها منذ طفولتها مرورا بجميع المراحل التي مرت بها واعجبت بها الدكتورة سمية رئيسة قسم اللغة العربية في الجامعة وعملت لها اشهارا في الجامعة وحازت على اعجاب الجميع وتم ترشيحها لدخول مسابقة افضل رواية برعاية بنك الاسرة السعيدة وبالفعل فازت بالمسابقة وربحت الجائوة ومقدارها 20 الف دولار من بنك الاسرة السعيدة وطلب من ام الوفا الصعود للمنصة لتسلم الجائزة وكانت المفاجأة التي ابكت الجميع عندما تقدم مدير البنك للسلام عليها وتسليمها الجائزة فتشنج في مكانه وامعن النظر فيها وهو في حالة ارتباك فقام باحتضانها وهبط الى الارض مقبلا لقدميها وهو يصيح يمه ..يمه ..يمه سامحيني سامحيني .

—————————————————–

تطرقت الرواية الى العديد من القضايا الاجتماعية:

-الاخذ بالثأر : من العادات التي تخلخل السلم الاهلي وتعزز الخلافات بين العائلات التي تنعكس على حياتهم اليومية وتسبب الظلم لاناس ابرياء كما يحصل في طلاق امرأة بريئة انتقاما لطلاق امراة اخرى او قتل شخص بريء بدافع الانتقام لشخص اخر ولاحظنا كيف تعرض زواج خديجة وخالد للفشل وادى الى الطلاق بسبب خلافات سابقة بين العائلات .

-الدلال الزائد :الافراط في تدليل الطفل وتلبية جميع متطلباته من الاخطاء التربوية قد يدفع ثمنها في المستقبل فالاهل يفعلون ذلك بدافع الحب والخوف عليه كما فعلت خديجة مع ابنها وسيم حتى انها من شدة حبها له ارضعته حتى الصف الثالث الابتدائي مما جعل طلاب الصف يطلقون عليه الولد المدلل وكانت تسبب له الغضب والتوتر .

يوجد فرق كبير بين ان تشعر الطفل انه محبوب وان تجعله يعتقد ان كل ما يريده يجب ان يحصل عليه فهذه تعوده الانانية ويثور عندما يسمع كلمة لا او الرفض لطلبه كما انه ينشأ لا يتحمل مسؤولية ويعتقد ان الحب يعني تلبية طلباته .

فالاهل يحبون ابنائهم ويريدون اسعادهم لكن من الافضل ان يعلمونهم قيمة ما يمنح لهم حتى يصبحوا اشخاصا يعرفون معنى الجميل والوفاء فهناك فرق بين من يقدر الجميل وبين من ينكر الجميل .

-عقوق الوالدين : هو ايذاء الوالدين احدهما او كلاهما وذلك بالاساءة لهما سواء بالقول او الفعل او التقصير في حقوقهما وقد يصل الايذاء للضرب او القتل كما حصل مع وسيم وامه ويعود هذا لضعف التشنئة الدينية والقيمية والتدليل المفرط او القسوة الزائدة (فالزائد كالناقص) .

الدلال المفرط لايؤدي بالضرورة الى العقوق انما قد يسهم اذا اقترن بغياب التربية فعندما نعلمهم قيمة ما يمنح لهم نعلمهم تحمل المسؤولية لذا على الوالدين منح الحب للطفل دون المبالغة بذلك واشعاره ان له حقوقا وعليه واجبات وان يأخذ حين يحتاج وان يعطي عندما يستطيع ليشعر بمتعة العطاء لا بمتعة التملك والأنا .

-اشارت الرواية الى ان الاطباء قد يخطئون بتشخيص المرض كما حصل مع الطبيب النفسي الاول الذي عالج ام الوفاء حيث شخص مرضها على انه مرض الشيزوفرينيا بينما شخصها الطبيب الثاني تشخيصا صحيحا وهو مرض الوسواس القهري.

والاطباء قد يقترفون الاخطاء نتيجة خطأ طبي او اهمال طبي .

-كفاح المرأة الفلسطينية وتحملها المسؤولية وصبرها على قسوة الحياة كما حصل مع ام بشير التي سهرت وعملت من اجل رعاية اسرتها في غياب زوجها بسبب اسره والحكم عليه بالمؤبد .

-اشارت الرواية لمشاكل يعاني منها الانسان الفلسطيني مثل :

-البطالة .

-التوظيف بالواسطة .

-تفشي الفساد .

-معاناة المعلم الفلسطيني من مشاكل مادية ولجوئه لاخذ القروض او الاستدانة .

-معاناة الاهل من تعليم ابنائهم وتحملهم للديون وحتى التقشف في حياتهم .

-عدم تدخل وزارة التخطيط ووزارة التربية والتعليم لارشاد الطلاب لاختيار التخصصات المطلوبة في المجتمع وتشجيع الدراسة المهنية .

-اشارت الرواية لموضوع سرقة الشعر وهي موجودة عند البعض كما حدث ان سرق معلم اللغة العربية قصيدة نظمها وسيم .

الف مبارك للاديب فوزي نجاجرة على امل اللقاء معه في انجازات اخرى .

وقالت وجدان شتيوي:

وقعت عيني على هذه الرّواية في وقتٍ لم أكن فيه بمزاج القراءة، لكنّي قرّرت أن أكسر ذلك المزاج، وأتحدّى نفسي، فكان انتصاري الأوّل أن أقرأ عشرين صفحة دفعةً واحدة، مسائلة نفسي أأمضي أم أعود؟؟ حتّى ألحقت بها باقي الصّفحات دفعة واحدة بعد يومين لفرط ما بها من مشاعر وأحاسيس تلصق القارئ بين سطورها قبل أن تضعه على أعتاب دهشتها.

أمضي أم أعود؟

سؤال كثيرًا ما يجتاح الإنسان على مفترقات الحياة، ويزداد إلحاحًا حين يكون فلسطينيًّا: أأمضي من هذا الحاجز أم أعود من حيث أتيت؟ أأمضي إلى عملي وسط الاقتحام أم أعود؟

تدور الرّواية حول “خديجة” التي تعثر حظّها كثيرًا في حياتها. بدءا من ليلة زفافها على من اختاره قلبها “خالد”، إذ أجبرته عائلته على طلاقها بسبب قصّة  تطليق خالها لواحدة من قريبات خالد عائلة قبل ثلاثين عامًا.

ورغم أنّهما بقيا على العهد، وهجرا عائلتهما، وتزوّجا بعد فترة، وأنجبا طفلا جميلا أسمياه وسيم، إلا أنّ ابتسامة الحياة في وجهيهما لم تطل، إذ استشهد خالد بعد فترة أمام عينيها.

فعادت إلى بلدها، وسكنت بيته هناك، ونذرت نفسها لتربية طفلها، ومرّت السّنين وهي ترفض الزّواج، وتعمل من أجل ابنها حتّى كبر ودرس وتفوّق وصار محاسبًا في أحد البنوك، فظنّت أنّه آن الحصاد، لكنّ القدر فاجأها مرّة أخرى، إذ كان نتاج تضحياتها ولد عاقّ مختال بنفسه، وصل به السّوء إلى محاولة قتلها لسبب تافه.

“ففي الوقت الذي جاء فيه موسم حصاد ما زرعت في سابق الأيام، جاء إعصار الشّقاء، والعقوق، وحطم الزّرع، والضّرع، في الوقت الذي أملت فيه أن تقضي حياة سعيدة مع ابنها وسيم، حيث أصبح موظفًا في أحسن بنوك البلاد، وأن تفرح بزواجه وبأبنائه وبزوجته، كلّ شيء أصبح سرابًا بسراب، تبخّر الحلم، وانفتحت عيناها على وهم، وهم في وهم.”

بحثت عن سبب واحد يجعلها تستحقّ قسوة فلذة كبدها وعقوقه، فلم تجد إلا هذه الإجابة: ” لا أعرف ما سبب هذا السلوك، غير أنني قرأت للأديبة أحلام مستغانمي في روايتها (عابر سرير، ص 115): «أن هناك أناس إذا قدمت لهم خدمات كبيرة، إلى الحد الذي لا يمكن الرد عليه، يردون عليك بنكران الجميل، فيصبح عداؤك لفرط ما أحسنت إليه، لذا لا بد أن تعذر من تنكر لك، ماذا تستطيع فعله ضد النفس البشرية؟؟؟».

 ممّا دفعها إلى ترك البيت قاصدة دروب الحياة، تمشي في مناكبها البعيدة وحيدة مثقلة حتّى تقاطعت دروبها مع رفيقة جديدة للرّحلة “أمّ بشير”: زوجة أسير مؤبّد الحكم، ففتحت لها قلبها قبل ذراعيها، كما لو كانت هي أيضًا بانتظارها، وأصبحا صديقتين مقرّبتين، ولا صداقة أعمق من صداقة المتشابهين.

فكلاهما نساء اضطررن أن يكنّ المرأة والرّجل في آن واحد.

أمّ بشير ساعدت خديجة (التي أسمت نفسها زبيدة) بإيجاد سكن، وفتحت لها أفق العمل معها، وتحسّنت ظروفهما، وكانت خديجة تساعد أمّ بشير في تكاليف تعليم أبنائها.

حتّى عادت الحياة تتقلّب فتغلق البلديّة سوق الخضار الذي يعملن به، لكنّ فكرة من سميّة اللّماحة -ابنة أمّ رشيد- كانت شرارة لتغيير أفضل، إذ تشاركت الصّديقتان بفتح مقهى للطّلاب أمام الجامعة، أخذ يذيع صيته ويزداد دخله، حتّى صار مقهى أدبيًّا يعجّ بندوات الثّقافة والأدب.

وأصبحت علاقة خديجة طيّبة بروّاد المقهى وخاصّة “إقبال” التي  أحسّت نحوها بشعور غريب، وشوق كلّما تأخّرت عليها، كما كانت إقبال مبهورة بشخصيّتها، تحسّ برغبة عارمة في اكتشافها.

لكنّ كلّ انشغال خديجة لم يحصّنها من شبح الحنين الذي يتلبّسها كلّ لحظة خلوة مع ذاتها، ممّا جعلها تصاب بمرض الوسواس القهريّ، لكنّها تمكّنت من الخلاص منه باهتمام سميّة وإقبال بعلاجها النّفسيّ والتّناوب على رعايتها.

وحين قرأوا كتاباتها شجّعوها، حتّى كتبت قصّة حياتها منذ التقائها بخالد في رواية، قدّموها لمسابقة أدبيّة وهنا كانت الخاتمة المؤثّرة التي كانت تتويجًا لرحلة امرأة كافحت وناضلت عقودًا من الزّمن، فأنصفها القدر إذ فازت بالمرتبة الأولى، وكرّمت بترتيب ليس لها يد فيه من قبل من كان سبب ندوب قلبها الغائرة-ابنها- في لحظة مؤثّرة طلب فيها السّماح، وعرفت إقبال أنّها جدّتها.

 تضمّنت الرّواية العديد م الرّسائل، أهمّها:

·       التّضحية المفرطة قد تأتي بنتائج عكسيّة، والدّلال

الزّائد للأبناء قد يربّي فيهم الأنانيّة.

* عوض الله دائمًا حاضر، قد يغلق بابًا ثمّ يفتح مقابله أبوابًا. ففي حين عقّ خديجة ابنها الوحيد يسّر لها الله كثيرين يعتبرونها أمًّا لهم.

* الزّرع الطّيب لا يثمر إلا طيّبًا حتّى ولو تأخّر الحصاد، والأصل الطّيّب له فروع طيّبة، فالابن العاقّ لأمّه قد ينجب أبناء بارّين بها.

* قدرة الكتابة على مساعدة الإنسان على تجاوز حالته النّفسيّة السّيّئة، وقدرة الإنسان على هزيمة أي مرض والتّغلّب عليه بإرادته.

*  الإنسان الأصيل يحفظ المعروف ولا يضيعه، والوفاء يرفع قدر أصحابه.

*تشدّد العائلة ووقوف المجتمع بوجه سعادة أفراده قد يدفعانهم إلى التّمرّد في سبيل نيل حقّ مشروع، ممّا يؤدّي إلى قطيعة كانوا في غنى عنها لو تفهّموا احتياجاتهم.

أمضي أم أعود…رواية اجتماعيّة واقعيّة إنسانيّة تسلّط الضّوء على وجع الأمّهات المعطاءات بلا حدود، حين يكافأن بالخذلان،

مع اتّصال وجعهنّ بوجع أمّنا الكبرى فلسطين. لكنّها تبقي باب الأمل مشرّعًا، وتجعل التّفاؤل سيّد المشهد، مقدّمة وجهًا آخر للألم.

كما لو كانت كتابًا تحفيزيًّا عنوانه: “كيف تحوّل خيباتك إلى نجاحات؟”.

ممّا يجعلها إضافة ثريّة للمكتبة العربيّة

وقالت هدى عثمان:

العنوان”أمضي أم أعود”هو عتبة النص الروائي،ففيه التناص المكون من الفعلين “أمضي”٫ “أعود”،والذي يعبر عن صراع ما في الرواية من تضاد في الحالة الشعورية والاجتماعية.

ونلاحظ من خلال القراءة، معاناة بطلة الرواية خديجة، من صراع داخلي بين نفسها هل تمضي إلى الأمام وتنسى الماضي الأليم؟أم تعود إلى ماضيها الذي يحمل صراعات مع ابنها العاق.

رواية”أمضي أم أعود”للأديب فوزي نجاجرة هي ليست عن امرأة تعاني مرارة العقوق والعنف من قبل ابنها “وسيم” فحسب ،وإنما هي تشكل صرخة ووقفة تأملية في  معنى العطاء،حدوده ،و تهمس في أذن كل أم في الكفّ عن المبالغة في الدلال الزائد لما يجلبه من سلبيات.

أيضا هي تشكل صرخة في وجه المجتمع في مدى ضغط المجتمع على الأفرد و التدخل في خصوصياتهم وتقرير مصيرهم،كما حدث عندما أجبر خالد على طلاق عروسه التي يحبها من قبل أعمامه وأهله،وتظهر الرواية ظلم الأسرة وعدم حمايتها لخديجة.

في هذه الرواية الاجتماعية بلسان السارد بضمير الغائب يجد القارئ نفسه أمام تفاصيل وأسئلة محيرة،طلاق خديجة من قبل عريسها في ليلة زفافها هو إهانة حتى لو كان رغما عنه،فكيف لها أن ترتاح معه بعد  ما حدث،ندمه غير مبرر، فعند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان،وهنا نقف أمام سؤال قوي  من ينتصر الحب أم الكرامة أم يظل الصراع قائما!،وفي الرواية اختارت خديجة الزواج مرة أخرى من حبيبها رغما عن الجميع.

ولقد لفت انتباهي جملة تعبر عن التناقض في شخصية خالد ألا وهي “لم يكن خالد رجلا سهلا أو ضعيفا فإذا ما اقتنع بفكرة لن يتنازل عنها أبدا”وهذا يتناقض مع ما حدث حين قام خالد بتطليق عروسه رغما عنه،فالسؤال هل الواقع الأليم من الشجارات العنيفة التي حدثت بين العائلتين واجباره على تطليقها كانت أقوى من فكرة الحب التي آمن بها،لقد تنازل عنها وأظهر ضعفه أمام قوة المجتمع المسيطر على مصير الفرد الخاص.

والمصيبة هو القرار الخاطئ في هروب الحبيبان خديجة وخالد وزواجهم بعيدا عن الأسرة وفيما بعد تم إبلاغهم.برأيي كقارئة أنا لم أتعاطف مع خديجة في تمردها هذا الذي تبرره هو من حقها،لأنه قد يلحق الشخصية بمشاكل كثيرة بالإضافة إلى أن سلوكها يشجع النساء على التمرد السلبي.في الرواية كانت خديجة على وعي وإدراك جيد أن ما تفعله قد يشكل  تهديدها بالقتل ورغم ذلك أصرت أن ترتبط بخالد مرة أخرى.

على نفسها جنت خديجة-لقد تحولت عاطفة الأمومة الزائدة إلى سلوك غير ناجح في تربية طفلها وسيم،قامت برضاعته حتى سن الرابعة وهو مبالغ جدا ويجعلنا نتساءل لماذا تصرفت هكذا؟هل  ربما بسبب عامل نفسي وعاطفي ومشاعر الوحدة  بعد استشهاد زوجها جعلها  تتصرف هكذا؟

العنف الذي تعرضت له خديجة من قبل ابنها المدلل”وسيم” والذي كاد أن يقتلها لولا تدخل أصدقاء خالد في الوقت المناسب هل كان ممهدا له؟هل الدلال وحده أوصله إلى الانحطاط الأخلاقي في نكران الجميل لأمه وعقوقه لها!هل كان يعاني وسيم من حالة نفسية مضطربة؟ (لم يذكر بالرواية عن حالة وسيم النفسية) فهل من المعقول بسبب رفض والدته تغيير لون الفستان  يحاول قتلها !

وردت  جملة في  النص الروائي”فما بقيت معاملاته مع أسرته،يبقى بريئا وسعيدا،أول خيباته تبدأ عندما يخرج من جو الأسرة إلى الدائرة الأوسع….ربما يضربونه أو يشتمونه(صفحة 22).فهل الطفل لا يتعرض للأذى أو العنف إلا من خارج الأسرة?ماذا عن الوالدين هل هم في حكم البراءة ?

لقد تمّ تغييب وسيم كثيرا بعد مشكلته مع أمه وظهوره في النهاية كشخصية محترمة في حفل إشهار كتاب أمه،والتعرف عليها،ولم نعرف كيف طور نفسه وحياته  بعيدا عن أمه،فأصبح من الشخصيات المهمة،مثلا لم يظهر الأديب أي عنف آخر صدر منه تجاه الآخرين سوى أمه.

ورد خطأ مطبعي في صفحة( 61)تمّ ذكر سماح بدل خديجة.

من الجميل استخدام الأديب لتقنية العلاج عبر الكتابة في محاولة  للتخفيف عن خديجة التي أصيبت بالوسواس القهري،بالإضافة إلى أخذها الدواء(البروزاك).ظهر الصراع الداخلي عند خديجة، صراعها مع ابنها والمجتمع،وقد تناول الأديب شخصية خديجة بعمق من الناحية النفسية والعاطفية وصفاتها الحميدة في محبتها ومساعدتها للآخرين.

رواية “أمضي أم أعود”هي أيضا بالإضافة إلى مشكلة العقوق فاإنها تبحث عن العدالة الاجتماعية، وعن الذات، وتثير قضايا اجتماعية مثل التحرش الجنسي في المجتمع.استخدم الأديب اقتباسات من الكتب،والتناص الشعري،مقولات وأيضا استشهد بالأغاني العاطفية التي تعبر عن الحالة العاطفية لخديجة.

وقالت وفاء داري:

تنهض الرواية  على تداخل رمزية الواقعي  والرمزي والاجتماعي، حيث تستمد الرواية جانبًا من قوتها من محاكاتها للواقع الفلسطيني بما يحمله من اعتقال واستشهاد وانتهاكات تمس الجسد والكرامة، وما تخلّفه هذه التجارب من أعباء تتحملها العائلات، ولا سيما النساء اللواتي يواصلن الحياة في غياب الزوج الأسير أو الشهيد. غير أن نجاجرة يفتح بابًا آخر للألم، يتشكل داخل الأسرة عبر العقوق والجحود والخذلان، حين يتحول عطاء الأم إلى حق مكتسب في نظر الابن، وتجد نفسها في مواجهة الأذى بدل التقدير. ولعل خديجة، في مبالغتها في احتضان ابنها وحمايته، قد أسهمت من غير قصد في تنمية شعوره بالاستحقاق؛ لكن أخطاء التربية، مهما بلغت، لا تبرر العقوق ولا تمنح الابن حق إيذاء أمه، أو تحميلها أثمانًا باهظة من كرامتها وأمانها لقاء ما قدمته من حب. هنا تكشف الرواية مفارقة أخلاقية موجعة: قد تطالب الأم بالتضحية إلى ما لا نهاية، ثم تُعاقَب حين تتمسك بحقها في الرفض والحماية. غير أن خديجة لا تستسلم لمجتمع يضيّق عليها سبل الحياة، ولا تقبل أن تظل أسيرة جرحها؛ تغادر المكان، وتعيد بناء ذاتها، وتجد في الكتابة طريقًا إلى الاعتراف والنجاح. في هذا التحول تلوح صورة المرأة الفلسطينية التي تنهض من رماد التجربة، كأنها عنقاء تستمد من الفقد قوةً لبداية أخرى

العنوان: ينجح الكاتب في أن يشد انتباه القارئ من خلال عنوانه المتميز “أمضي أم أعود؟”، حيث يكون مدخلا للرواية، ومضمونه يمثل حالة صراع وتمزّق دائمين تواجهه الفلسطيني في حياته اليومية في كل مكان وزمان.

المكان: حرص الكاتب على ألا يذكر مكانا معينا خلال الرواية كلها بالإشارة إلى موضع ما صراحة، مدينة أو قرية، بل أشار إلى اسم إحدى المدن بالحروف (س ص)، لأن الكاتب أراد الإشارة أن أحداث هذه الرواية قد تحدث في كل ومكان من المدن أو القرى الفلسطينية.

الشخصيات: الشخصيات الرئيسة: تدور أحداث رواية “أمضي أم أعود؟”، بين عدد من الشخصيات الرئيسة.

خديجة:  الشخصية المحورية وهي التي أخذت قرارا عكس التيار في الزواج من خالد سرا بعيدا عن أهلها متمردة على العادات والتقاليد البغيضة التي أرادت أن تحرم هذا الزواج بين حبيبين عفيفين، وهي زوجة الشهيد التي تبقى وفية لزوجها الشهيد خالد، لترعى طفلها الوحيد وتقضي جلّ حياتها في خدمته وتربيته، ومن ثم تعاني ظلم ابنها الوحيد الذي ربته “برموش العين”، كما يقال في عاميتنا الدارجة، إلا أنه ينقلب عليها بعقوق وصل به أن يقوم بمحاولة قتلها لا لسبب إلا أنها رفضت أن تلبي ما يريد هو رغم ما قدمته له من حنان وعطف وعطاء، حيث يصور الكاتب في كلمات الإهداء: “إلى الأمومة المعذبة الشقيّة، إلى الأمومة المقدمة على مذبح الحب والحنان، والعاطفة الصادقة البريئة دون أثمان”.

الأسلوب الأدبي والسرد:

يتكئ نجاجرة في بناء روايته على لغة تميل إلى المباشرة والانفعال، وتستمد أثرها من المواقف الإنسانية الحادة ومن الحوار العامي الذي يمنح الشخصيات ملامحها الاجتماعية. ويتخذ السرد منحًى تفسيريًا؛ فالراوي لا يكتفي بنقل الأفعال، بل يتدخل أحيانًا لشرح الدوافع وتوجيه الحكم على الشخصيات، وهو ما يمنح الحكاية وضوحًا أخلاقيًا، لكنه يقلّل في مواضع من مساحة التأويل التي يمكن أن يتركها للقارئ. وعلى مستوى البناء الفني، تتشابك الحكايات الوطنية والاجتماعية والأسرية لتوسيع دلالة التجربة الفردية، غير أن بعض الانتقالات والتفسيرات المباشرة تجعل الإيقاع متفاوتًا، وتأتي بعض الدلالات مؤكدة بالكلام بعد أن تكون الأحداث قد أوصلتها. مع ذلك، ينجح الكاتب في ربط مصائر الشخصيات بخيط الذاكرة والغياب، ويمنح العنوان والنهاية وظيفة تتجاوز تلخيص الحكاية؛ فالسؤال الذي يطرحه العنوان يظل حاضرًا في تحولات خديجة، بينما تعيد النهاية قراءة ما سبق من منظور جديد. ومن هنا تكمن قوة الرواية في تعدد طبقاتها الدلالية، وفي قدرتها على إثارة أسئلة عن الكرامة والتضحية والذاكرة، وهي طبقات تتكشف على نحو أعمق كلما عاد القارئ إلى النص.

استطاع الكاتب أن يقدم للمكتبة العربية عامة، والفلسطينية خاصة إبداعا متميزا، كان له حس مرهف استشعره في كل بيت من بيوت الوطن فلسطين، فما من بيت إلا وفيه، شهيد، أو أسير، او مهجّر عن وطنه قسرا، إذ قدّم لنا نماذج لما تعانيه الزوجة والأم.

كما قدم رسائل عدة من خلال هذه الرواية وأهمها رسالة موجهة لعموم أبناء الشعب الفلسطيني يبعث من خلالها الأمل في قلب كل فلسطيني، تضمنتها رسال سمية حين قرأتها في حفل تكريم أم الوفاء على كتابها: “نعم صحيح أن ليلنا طال؛ إنما نهارنا قادم، ستشرق شمسنا وسيرحل الجراد عن أرضنا، وستنطفئ نيران الوجع لهذا الزمان البائس، وسيحتفل الوطن ويفرح بميلاد الإنسان الفلسطيني وانبعاثه من جديد. القدس تنتظرنا، لكل بداية نهاية، ولكل نهاية بداية، إنّ مع العسر يسرا، والفجر لا بدّ قريب، أليس الصبح بقريب.

في الختام: تتجدد دلالات “أمضي أم أعود؟” كلما أُعيدت قراءتها، فالعودة ليست بالضرورة رجوعًا إلى المكان الأول، والمضي لا يعني نسيان ما حدث. قد تكون العودة مصالحة مع الذاكرة، وقد يكون المضي رفضًا لاستمرار الأذى. وبين الاحتمالين تترك الرواية سؤالها مفتوحًا: كيف يصون الإنسان حقه في الحياة من دون أن يتنازل عن ذاكرته وكرامته؟ لعل خديجة لا تجد جوابها في استعادة الماضي، بل في امتلاك الحكاية أخيرًا، وفي أن تصبح صاحبة صوت بعدما عاشت طويلًا أسيرة أصوات الآخرين.

وقالت نزهة أبو غوش:

تنهض رواية «أمضي أم أعود؟؟؟» على فكرة إنسانية واجتماعية تتمحور حول معاناة المرأة، وما تتعرض له من جحود وألم في علاقاتها الأسرية، ومحاولتها استعادة كرامتها وذاتها بعد الانكسار. ويبدو أن الكاتب أراد إيصال رسالة مفادها أن العطاء والتضحية لا يضمنان دائمًا الوفاء، وأن الإنسان، مهما أثقلته التجارب، يستطيع أن يبحث عن بداية جديدة ويستعيد صوته من خلال الكتابة والإبداع.

تشكّل العاطفة عنصرًا بارزًا في الرواية؛ إذ يعتمد الكاتب على استثارة مشاعر القارئ تجاه الشخصيات وما تواجهه من مآسٍ وخيبات. غير أن العاطفة في بعض المواضع تُقدَّم بصورة مباشرة ومكثفة، من خلال تكرار وصف الخوف والألم والانفعال، بدل ترك الأحداث والتفاصيل النفسية تكشف عنها تدريجيًا. وهذا يجعل التأثير العاطفي واضحًا، لكنه لا يبلغ دائمًا عمق الإيحاء الذي يترك للقارئ مساحة أوسع للتأمل.

تكمن قوّة  الرواية في موضوعها وما يثيره من تعاطف وتساؤل، بينما يتمثل مجال التطوير الفني في الحد من المباشرة، وتعميق الصراع الداخلي، وتكثيف اللغة، ومنح الشخصيات مساحة أوسع للتناقض والتحول. فالرواية المؤثرة ليست التي تجعل القارئ يشعر بالألم وحده، بل التي تدفعه إلى فهم جذوره والتأمل في أسبابه، وتترك في داخله أسئلة تظل حية حتى بعد إغلاق الكتاب.

أما اللغة، فتتسم بالوضوح والقدرة على إيصال المعنى، لكنها تميل أحيانًا إلى الإطالة والوصف المباشر وشرح المشاعر. وعلى مستوى البناء الفني، تمتلك الرواية مادة اجتماعية غنية وشخصيات تتيح إمكانات درامية ونفسية واسعة.

تبرز في الرواية صورة إيجابية للتكافل الاجتماعي، من خلال المساندة التي تتلقاها خديجة من الأهل والأصدقاء في أوقات المرض والشدة. فحين يضعف الإنسان أمام الألم، تصبح وقفة المحيطين به سندًا نفسيًا وإنسانيًا يخفف عنه وطأة المعاناة، ويمنحه الشعور بأنه ليس وحيدًا في مواجهة محنته. وتعكس هذه المواقف عادات أصيلة في مجتمعنا الفلسطيني، حيث تتجلى قيم التراحم والتعاضد والوفاء في زيارة المريض، ومساندة المصاب، وتقديم العون له ولأسرته. وهكذا لا تقتصر الرواية على تصوير الألم الفردي، بل تكشف أيضًا عن الوجه الإنساني المشرق للعلاقات الاجتماعية، وعن أهمية الروابط العائلية والاجتماعية في تجاوز المحن واستعادة التوازن النفسي.

النهاية ودلالتها الفنية والإنسانية

تتجه نهاية الرواية نحو استعادة خديجة لذاتها وكرامتها بعد رحلة قاسية من الألم والانكسار، لتؤكد أن المعاناة، مهما اشتدت، لا تعني نهاية الطريق، وأن الإنسان قادر على النهوض من جديد. كما أن عودة ابنها ولقاءه بها في مناسبة أدبية تُعلن فيها فوزها، يمنحان النهاية بُعدًا عاطفيًا، ويجعلان الكتابة رمزًا لاسترداد الصوت والاعتراف بقيمة الذات بعد أن عانت التهميش والجحود.

ومن الناحية الفنية، تحمل هذه النهاية مسحة تفاؤلية، وتمنح القارئ شعورًا بالارتياح بعد سلسلة من الأحداث المؤلمة.


4 attachments

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات