قصصالاطفال” مغامرات زين وزينة” والتربية الحديثة

ق

جميل السلحوت

عن دار” أ.دار الهدى-عبد زحالقة” صدرت مجموعة قصصيّة لليافعين بعنوان:” مغامرات زين وزينة” للكاتب المقدسيّ الأستاذ سامي قرّه،  وتقع المجموعة في 114 صفحة، وتزيّنها رسومات آلاء مارتيني.

يهدي الكاتب مجموعته القصصيّة هذه لحفيده زين، الذي خاطبه قائلا:” أضأت أيّامي بضحكتك، وامتلأت حياتي بنور عينيك ودفء حضورك”ص6. ويقول الكاتب أيضا بأنّه كتب هذه القصص لحفيده، ولكلّ طفل يبحث عن صدق الحكاية وصدق المشاعر”.ص6.

والكاتب في هذا الإهداء يعبّر عن حبّه الجارف لحفيده، وهذا أمر طبيعيّ، والمثل العربيّ يقول:” ما أغلى من الولد إلا ولد الولد”. أمّا المثل الإغريقي فيقول:” ابنك أنجبته مرّة، وحفيدك أنجبته مرّتين”. ولصدق الكاتب في حبّه الجارف لحفيده” زين” ولا أعلم إن كان له حفيدة باسم” زينة”، وإن لم تكن موجودة فربّما هو يستبق الزّمن ويحلم بأن تولد له حفيدة؛ ليسمّوها” زينة”. ولهذا فقد جعل” زين وزينة” بطلي قصصه، ولذا فقد جاءت القصص أكثر حميميّة، وفي تقديري أنّ الكاتب وهو يكتب قصصه هذه- وهي باكورة إصداراته الأدبيّة-، كان يتخيّل نفسه وهو يداعب حفيده” زين” الّذي لم يبلغ الخامسة من عمره، وحفيدته” زينة” الموجودة أو المحتملة. مع التّأكيد بأنّ كتّابا سبقوه بكتابة قصص وروايات لأحفادهم الأطفال وهم أبطالها، ومنهم الأديب الكبير محمود شقير، والرّوائيّة ديمة جمعة السّمّان، والأديبة روز اليوسف شعبان، وجميل السلحوت.

في التّمهيد للمجموعة القصصيّة يطرح الكاتب فهما عميقا لفلسفة المطالعة وأهمّيتها للأطفال، وهذا التّمهيد ضروريّ للكبار قبل الصّغار.

وفي الصّفحة 9 من المجموعة القصصيّة يوجّه الكاتب رسالة للأطفال يحثّهم فيها على مطالعة القصص؛ ليضيف كلّ منهم لنفسه:” بصمة جديدة من الحكمة والوعي والإبداع.”

ابداع متميّز: والقارئ لهذه المجموعة القصصيّة الموجّهة لليافعين، سيجد نفسه أمام قيم وأهداف تعليميّة وتربويّة، وأسلوب متميّز ومختلف عمّا قرأناه من قصص أخرى موجّهة للأطفال، ولا غرابة في ذلك، فالكاتب الأستاذ سامي قرّه مثقّف متميّز، وثقافته غزيرة ومتنوّعة في مجالات مختلفة، وقد عرفته عن قرب عندما شاركنا بحضور أمسيات ندوة اليوم السّابع في المسرح الوطنيّ الفلسطينيّ

-الحكواتي-، وقد انتبهت أنا وغيري من روّاد النّدوة لعمق ثقافته الشّموليّة وسعة اطّلاعه من خلال النّقاشات الّتي كان يشارك فيها ومن خلال ما يكتبه.

والقارئ لمجموعته القصصيّة هذه-مغامرات زين وزينة- سيكون شاهدا على صحّة حديثي المختصر عنه. واللافت في هذه القصص أنّ الكاتب لم يلجأ فيها إلى تلقين الأطفال القرّاء الهدف الّذي يرمي إليه، بل يتركهم من خلال السّرد والحوار؛ ليكتشفوا ذلك بأنفسهم.

 قصّة” الحروف الهاربة”: في القصّة انتقاد لمن يقتنون مكتبات في بيوتهم للزّينة فقط، ولا يطالعون، فعدم المطالعة يشي بأنّ الكتب دون مطالعة مجرّد أوراق فارغة من الكتابة، فقد جاء في نهاية القصة” فالمكتبة ليست مجرّد رفوف وكتب، بل عالم سحريّ ينبض بالحياة” ص24. وذلك بعد أن اكتشف زين أهمّيّة وفوائد المطالعة، حيث جاء:” صار زين يقرأ كلّ ليلة، ومع كلّ قصّة يشعر وكأنّ صديقا جديدا ينضمّ إليه في الغرفة”.ص24.

وفي قصّة” النّملة الّتي أرادت أن تطير” دعوة للحلم والابتكار، والتّمرد على سياسة القطيع بالتّفرّد بالابداع، والحلم الواقعيّ الّذي يمكن تحقيقه،” كلّ شيء ممكن إذا لم نتوقّف عن الحلم، وواصلنا السّعي نحوه بقلب مؤمن”.ص30.  فالنّملة” نورا” حاولت الطّيران واستطاعت ذلك.

وهذه القصّة ببطلتها النّملة تتعارض مع ثقافتنا الشّعبيّة والواقع الحياتيّ، فالمثل الشّعبي يقول:” إذا ربنا غضب ع نمله بخلق لها جنحان وبخلّيها تطير”، ومعروف أنّ هناك نوع من النّمل له أجنحة خفيفة يطير بها، وإذا ما طارت نملة فإنّها تضيع وتهلك في الفضاء؛ لأنّها لا تقوى لخفّة وزنها وانعدام جاذبيّتها أن تحطّ على الأرض مرّة ثانية.

لكنّ القصّة الّتي نحن بصددها تهدف إلى الطموح والابتكار، و” من جدّ وجد” وكما قال نابليون:” كلمة مستحيل لا توجد إلّا في قاموس الحمقى”.

قصّة السّور” الزّجاجيّ وأطفال الظلال” تتحدّث هذه القصّة عن حيّ فقير لا تطاله أشعّة الشّمس، وسبب الفقر في ذلك الحيّ هو الجهل، والإنغلاق الثّقافيّ والاجتماعيّ الّذي تعيشه الشّعوب الفقيرة، أمّا الشّعوب الثّريّة فشعارها:” العلم مفتاح العبور، ومن جهل ضلّ الطّريق”ص37. وزين ابن الحيّ الفقير عندما وجد كتابا في الطّريق، وقرأ ما تيسّر له منه، شعر بنور الحياة وخرج من الظّلام الّذي يعيشه أبناء حيّه الفقير، وعبر إلى حيّ النّور المجاور، ورأى الحياة الرّغيدة الّتي يعيشها أبناء هذا الحيّ، وتعلّم هناك، وعاد إلى حيّ الظّلال الفقير الّذي وُلد فيه، وبدأ يعلّم أبناءهم، فخرجوا من الظّلام إلى النّور.

وهذه القصّة تحثّ على العلم، فهو المنقذ الوحيد لجميع البشر، وما التّخلف الّذي تعيشه الشّعوب الفقيرة أو ما يسمّى تأدّبا” دول العالم الثّالث، إلّا نتاج للجهل، وعدم مواكبة العلوم العصريّة، وانغلاقهم عن الحضارات الأخرى، وينعمون بجهلهم وفقرهم لعدم معرفتهم عن مستوى تقدّم ورقيّ الشّعوب المتعلّمة، وظنّهم بأنّهم أغنى وأرقى الشّعوب.

قصّة” حديقة الأبطال” تتحدّث  القصّة عن زين وزينة وصديقهما سعيد، حيث ذهبوا للعب كرة القدم في حديقة عامّة، وانتبهوا لطفل من جيلهم اسمه حسام يجلس فاتحا الآيفون، ولا يرفع وجهه عنه، فأقنعوه بأن يشاركهم الّلعب؛ ليخوض معهم مباراة تحدّي” كأس المدينة”، وعند المباراة وفي الدّقائق الأخيرة مرّر حسام الكرة لزين، فسدّدها هدفا في شباك الفريق الآخر. وأثناء عودتهم إلى بيوتهم فكّر حسام بيومهم وانتصارهم الجميل، وأدرك أنّ” النّصر الحقيقيّ، المغامرة الحقيقيّة هي شيء لا يمكن أن تجده على شاشة الجهاز”. ص48. وهذه دعوة غير مباشرة بعدم تضييع الوقت على أجهزة” الآيفون”، بل من خلال محاولات تعلّم ما يفيد.

قصّة” الحذاء الّذي لا يحبّ الرّكض” تتحدّث القصّة عن الطّفل زين الّذي يركض باستمرار، ولا يحبّ المشي بهدوء، وفي عيد ميلاده الثّامن أهداه والده حذاء أزرق كلون السّماء، وتعلّم المشي بهدوء؛ ليرى الجمال حوله، وتعلّم كيف يتباطأ في المشي؛ ليرى جمال الكون من حوله، و” صار يجري….بعينين مفتوحتين وقلب يصغي للجمال من حوله.” ص55. وهذه القصّة تدعو في ثناياها إلى أنّ” في السّرعة ندامة”، إذا كانت في غير وقتها الصّحيح، وأنّ المرء يكتشف معنى الحياة وجمالها وقبح من وما فيها بالتّدريج.

قصّة” أصدقاء الطّبيعة” تهدف هذه القصّة إلى تعليم الأطفال للحفاظ على جمال الطّبيعة، من خلال جمع النّفايات وعدم إلقائها في غير مكانها المخصّص لها، فالحفاظ على نظافة الطّبيعة” شعور بالانتماء والمسؤوليّة” ص61. ” ومن يحافظ على نظافة الحقول والحدائق وكلّ الأمكنة،” يصبح جزءا منها ومن جمالها”ص62. والحفاظ على النّظافة الخاصّة والعامّة دلالة حضاريّة.

قصّة” طائر الأمنيات الثّلاث” تحارب هذه القصّة الطّمع والأنانيّة، وتدعو إلى الرّضا والقناعة، فالإنسان السّويّ يجد سعادته فيما يملكه، ويغبط الآخرين على ما يملكونه، ويتمنّى لهم السّعادة والخير كما يتمنّاها لنفسه. فقد جاء على لسان زيد

“: أن أتعلّم السّعادة الحقيقيّة هي أن تفرح لفرح من تحبّ”. ص70.

 سأكتفي بالكتابة عمّا سبق من القصص- كي لا أطيل على القارئ-، مع أنّني قرأت القصص جميعها أكثر من مرّة.

وماذا بعد؟: لقد لاحظت في هذه القصص الابداع المتميّز، من خلال الّلغة والسّرد الانسيابيّ الشّائق، والبلاغة وما تحمله من وصف وتشبيهات وحِكَمٍ، ومعلومات جديدة على الأطفال، وقد توقّفت مطوّلا أمام الّلغة، وأعتقد أنّها أعلى من مستوى اليافعين، واليافع كما جاء في المعاجم اللغويّة:” يافِع. مَن اقترب من البلوغ، وهو دون المراهقة، أي ما بين سبع سنوات إلى عشر”. لكنّ هذا لم ينتقص شيئّا من قيمة القصص، ويجدر التّذكير هنا أنّه من أهداف الكتابة للأطفال هو التّعليم ومنه تعليم وتعلّم الّلغة. ومن جماليّات قصص الأستاذ قرّه أنّها لم تلجأ إلى تلقين الأطفال أهداف هذه القصص بطريقة مباشرة، بل تركتهم يكتشفونها بالتّجربة، وهذا من أرقى أساليب التّعليم الّتي عرفها البشر.

الرّسومات: الرّسومات المرافقة للقصص وهي من إبداع الفنّانة آلاء مارتيني، جميلة ومعبّرة، لكنّها قليلة وغير كافية، حيث توجد رسمة واحدة في بداية كلّ قصّة، وأعتقد أنّ النّاشر هو من طلب ذلك، كي لا تزيد عدد صفحات الكتاب البالغة 114 صفحة.

ملاحظة: حبّذا لو النّاشر والكاتب اتّفقا على نشر كلّ قصّة منفردة، مع رسومات تناسبها؛ ليسهل على الأطفال قراءتها وفهمها والتّمتّع برسوماتها. أمّا نشر حوالي أربع عشرة قصّة في كتاب واحد، وفي 114 صفحة فهذا يثقل على الطّفل القارئ، وقد يحول دون قراءته للقصص جميعها.

ملاحظة ثانية: لم أستسغ الرّسالتين اللتين كتبهما الكاتب في بداية المجموعة ووجّههما للأطفال. فلا داعي لهما.

15-10-2026

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات