جميل السلحوت
قبل أن ينتهي اليوم الأوّل من العام الجديد ٢٠٢٦، غادر الحياة الدّنيا الصّديق الكاتب جمعة سعيد السّمان، وهذا ليس غريبا فالموت حقّ، و” كلّ نفس ذائقة الموت”، لكنّ رحيل صديقنا جمعة السّمّان ترك في القلوب لوعة وحزنا؛ لما عرفناه عنه من أخلاق كريمة ووفاء قلّ مثيلة.
عرفت الرّاحل الّذي كان يُكنّى بأبي فريد في العام ١٩٩١ عندما عملت وكريمته الأديبة الرّوائيّة ديمة في هيئة تحرير مجلّة” مع النّاس” الشّهريّة الّتي صدر منها أحد عشر عددا قبل أن يُسحب ترخيصها وتتوقّف عن الصّدور.
وتعمّقت العلاقة بيننا عندما انطلقت في الفاتح من مارس ١٩٩١” ندوة اليوم السّابع الثّقافيّة الدّوريّة الأسبوعيّة المقدسيّة في المسرح الوطنيّ الفلسطينيّ، وكريمته الأديبة ديمة هي أحد موسّسي النّدوة الرّئيسيين، وكان هو وزوجته الفاضلة” أمّ فريد” وكريمته ديمة يواظبون على حضور النّدوة باستمرار، ومن خلال جلسات النّدوة بانت لنا ثقافة الرّجل الواسعة، واتّضح لنا أنّه مطالع نهم، وقد شجّع كريماته” ديمة ولمى وسماهر على المطالعة”، ورغم أنّ كريمته الرّوائيّة ديمة كانت وقتئذ في العشرينات من عمرها، إلّا أنّ ثقافتها كانت أكبر من عمرها، والسّبب الرّئيس في ذلك أنّها اعتادت على المطالعة منذ طفولتها المبكرّة، فقد كان والدها يشتري لها قصص الأطفال ويتدرّج معها حسب عمرها، بل كان يراجع لها ما تكتبه ويوجّهها حتّى أثبتت نفسها كروائيّة يشار إليها بالبنان، وكان شديد الفخر بكريماته اللّواتي علّمهنّ في مدارس خاصّة، وربّاهن على القيم الدّينيّة والأخلاق الحميدة. وكلّما صدرت روية جديدة لكريمته ديمة كان هو أوّل قرّائها وأوّل من يكتب عنها.
والرّاحل السّمّان المولود عام ١٩٣٥ لجأ إلى كتابة تجاربه الحياتيّة على شكل قصص وحكايات فصدرت له حوالي خمس مجموعات، وذات يوم قلت له مازحا:” معروف أنّ الأبناء يتأثّرون بالآباء، لكنّك أنت تبدو متأثّرا بابنتك ديمة”. فأجابني بفخر:
هذا صحيح وأنا فخور بذلك.
وصاحبنا المولود في حارة باب حُطّة في القدس القديمة، كان متأثّرا بتاريخ المدينة، وبتاريخ عائلته كما عاشها وكما سمعها من الآباء والأجداد، وحديثه هذا أوحى لابنته ديمة؛ لتكتب روايتها” برج اللقلق”، وهو برج في باب حطّة، وكانت فاتحة الكتابة الرّوائيّة عن القدس القديمة في هذا العصر.
والكاتب جمعة السّمّان الّذي درس الهندسة وعمل في التّدريس لم يلبث أن دخل مجال التّجارة وأبدع فيها، فقد امتلك محلّا تجاريّا لبيع ألعاب الأطفال، ويبدو أنّ حبّه للأطفال هو ما دفعه لهذا التّخصّص. ومن خلال معرفتنا الشّخصيّة عن قرب للرّاحل السّمان، فقد شاهدنا مدى حبّه للأطفال من خلال حبّه لأحفاده أبناء كريمته ديمة، فتعلّقوا به كما تعلّق هو بهم، وقد كان شديد القلق على كريمته لمى وأبنائها، فلمى تزوّجت من طبيب من أبناء العائلة مولود ويعيش في مدينة حمص في سوريّة، وقد زارها أكثر من مرّة قبل الحرب الأهليّة الّتي عاشتها سورية منذ العام ٢٠١٢.
يبقى أن نقول أنّ الرّاحل السّمّان عاش كريما وفيّا صادقا، صاحب واجب يعرف ما يتوجّب عليه قبل ما يتوجّب له. فلروحه الرّحمة ولأرملته وكريماته حسن العزاء. وذكراه ستبقى خالدة في عقول وقلوب كلّ من عرفوه.
٣-١-٢٠٢٥










