جميل السلحوت
صدر هذا العام 2026 كتاب” شيْ يذكرني بي” للأديب الشاعر عبد السلام العطاري، عن دار الأهليّة للنّشر والتّوزيع في عمّان، يقع الكتاب الّذي يحمل غلافه الأوّل لوحة للفنّان الإسباني خوان ميرو، وصمّمه زهير أبو شايب، في 150 صفحة من الحجم المتوسّط.
عبد السّلام العطاري: ولد أديبنا الشّاعر العطّاري عام 1965 في بلدة عرّابة قرب جنين في شمال الضّفّة الغربيّة، وقد صدر له قبل هذا الكتاب ثلاثة دواوين شعريّة هي:” دوثان، عرّاب الريح، وما ظلّ منّي”.
عرفت عبد السّلام العطّاري قبل حوالي ثلث قرن، عندما عمل مديرا في وزارة الثّقافة الفلسطينيّة، وقد عرفت فيه نقاء المعدن ودماثة الأخلاق وصدق التّعامل، وعرفته كإنسان يحترم إنسانيّته قبل كلّ شيء، وتتجلّى في شخصيّته البساطة والتّواضع رغم ثقافته الواسعة. وهذا ما جعله محبوبا من كلّ من عرفوه. وأسوق هذه العجالة لإيماني بضرورة معرفة الأديب أو شيئا عنه؛ ممّا يساعد المتلقّي على استيعاب وفهم ما يكتبه هذا الأديب.
وهذه الكتاب الّذي نحن بصدده” شيء يذكّرني بي”، والّذي جاءت نصوصه بلغة شعريّة وشاعريّة تحمل الكثير من البلاغة، أقنعتني من جديد بأنّ أجمل من يكتب النّثر هم الشّعراء، وتتجلّي فيه العاطفة الصّادقة بأسمى معانيها، وهذه النّصوص تؤكّد من جديد أنّ الكاتب ابن بيئته، لكنّ هذه” الذّكريات”، حملت في طيّاتها بطريقة وأخرى شيئا من السّيرة الشّخصيّة لكاتبها. فكاتبها عاد إلى طفولته الّتي اختزنها في ذاكرته، فكتب لقطات من هذه الذّكريات وكتبها، وكأنّي به يقول للمتلقّي هذا أنا، وهذه بعض من ذكرياتي عن مرحلة عشتها.
وواضح أنّ كاتبنا يبوح لنا عن المأساة الكبرى الّتي عاشها بفقدان المرحومة” آمنة” الّتي توفّاها الله وهو في العاشرة من عمره، فذاق مرارة اليُتم وهو طفل، وكما يقول مثلنا الشّعبيّ” اليتيم يتيم الأمّ”. وكتابته عن والدته المتوفّاة أشعرتني أنّه يكتب عن والدتي الّتي توفّيت وأنا في السّابعة والسّتّين من عمري، وبكيتها بحرقة وشعرت باليُتم وكأنّني طفل رضيع، فما بالكم بطفل فقد والدته وهو في العاشرة من عمره. وكاتبنا الّذي اختزن أحزانه عن والدته خمسين عاما، ألحّت عليه ذكراها أن يبوح بهذه الأحزان؛ ليخفّف وطأتها على ذاكرته. وعندما توفّي والد كاتبنا قبل حوالي عامين عن عمر زاد عن قرن بعامين، بكاه ورثاه بلوعة بائنة، وعندما هاتفته معزّيا بوالده قال لي:” لقد كان المرحوم أبي وأمّي، وقد غمرني بحنانه وعوّضّني شيئا من حنان أمّي الّتي فقدتها وأنا طفل” وفي حديث لاحق قال لي:” لقد فقدت حنان أمّي مرّتين، الأولى عندما توفّيت قبل خمسة عقود، والثّانية عندما توفّي أبي.” والقارئ لما كتبه كاتبنا عن والدته، لا يحتاج إلى كثير من الذّكاء؛ ليرى أنّه كتب عن الأمّهات جميعهنّ، وهذا نابع عن ثقافته الواسعة.
ملاحظة: أعتذر من الأديب العطّاري لأنّني سطوت على كلمة” تشعلقت” من إحدى نصوصه، الّتي كتبها قبل سنوات.
10-4-2026










