صدرت رواية “البلاد العجيبة” للرّوائي المقدسي جميل السلحوت عن مكتبة كلّ شيء حيفا (2015،) وهذه الرّواية الم،جهة للفتيان من تنسيق واخراج شربل إلياس.
يسرد لنا الروائيّ جميل السلحوت بأسلوب شائق، رحلةً غريبةً يقوم بها الطفل محمود، إلى بلاد عجيبة، وذلك بعد أن يأخذه شيخٌ هرم، في مركبة زجاجيّة غريبة الشكل، تنطلق بهما من مدينة القدس، وتحديدًا من ساحة المسجد الأقصى، إلى كوكبٍ آخر، هناك يرى محمود بلادًا عجيبةً، أبنيتها مهندسة بطريقة لافتة، محلّاتها عظيمة، مطاعمها تديرها النساء، يقدّمون الطعام مجّانًا، أطفالها نظيفون وسيمون، يرتدون ثيابًا أنيقةً مزركشةً. قال الشيخ لمحمود هذه مدينتنا مدينة المحبّة.
أعاد الشيخ محمودًا إلى بيته قبل أن يبزغ الفجرـ محمّلًا بالهدايا الثمينة، والطعام والملابس الفاخرة، وعقدين من الجواهر، واحدا لأمّه والثاني لأخته.
دُهش والدا محمود ممّا أحضره محمود للعائلة من خير وفير، وبدأت الشكوك تراودهما. أخذ أبوه عبد المعطي عقد الألماس إلى صائغ في المدينة، فأخبره أنّه عقد ثمين، وعرض عليه أن يشتريه منه بمائة وخمسين ألف دولار، فرفض بيعه. أما العقد الثاني، فأخذه إلى صائغ آخر، أخذ الصائغ العقدَ بعد أن أبرم اتفاقا مع عبد المعطي سجّله عند محامٍ، أن يأخذ العقد إلى لندن ليفحصه هناك، وفي لندن دخل إلى مزاد علنيّ للمجوهرات، بعد فحص العقد تبيّن أنّه من الماس النادر، يعود إلى الملكة الفرعونيّة نفرتيتي، بيع العقد بالمزاد ب ثمانية عشر مليون إسترليني، أخذت دار العرض جزءا من المبلغ وأعطت الصائغ شيكا بقيمة ستة عشر مليونا ومئتي ألف دولار، اقتسم المبلغ مع عبد الرحمن حسب الاتّفاق الذي أبرم بينهما.
وحدث أن عاد الشيخ بمركبته ومعه ابنته سعاد، وزوّجها من عبد الرحمن، لأنها تريد أن تنجب ولدًا مثل محمود، ثمّ أخذ عبد الرحمن وابنه محمودًا وابنته زينب إلى البلاد العجيبة.
ذهل عبد الرحمن ممّا رأى، وقضى وقتًا ممتعا مع زوجته الجديدة سعاد، وعاد محمّلا بصندوق كبير من الذهب الخالص، باعه ليشتري أرضا تطلّ على القدس، ويبني عليها بيوتا لأولاده ولأخيه عثمان الذي استقال من عمله في الجامعة؛ ليدير أمور أخيه الماليّة ومشاريعه العمرانيّة.
يبرز الكاتب في روايته للفتيان عدّة رسائل مهمّة، أراد ترسيخها في أذهانهم وهي:
1.أهميّة مدينة القدس، والتمسّك بها فهي كما ذكر في الرواية:” منبع الخيرات، وبوّابة الدنيا، وأقرب بقاع الأرض إلى السماء” (ص 9). يذكّرنا صعود المركبة إلى الفضاء من هذا المكان تحديدًا، بمعراج الرسول عليه الصلاة والسلام إلى السماء.
2. غرس بذور المحبّة والانتماء في نفوسهم، فالبلاد العجيبة ازدهرت بفضل محبّة الناس بعضهم بعضا واقتناعهم بما لديهم، وتخلّصهم من الطمع.
3. العلم أساس التطوّر والازدهار، فالبلاد العجيبة وصلت إلى مكانة رفيعة جدّا في العلم، ممّا أدّى إلى ازدهارها وغناها. وهذه رسالة واضحة للشباب في التمسّك بالعلم، وقد جاء على لسان العالم زويل الفائز بجائزة نوبل للفيزياء: “إنّ المشاكل الاقتصاديّة في مصر وغيرها من الدول لا يحلّها إلّا العلم”.(ص111 ).
4. أهميّة القراءة، فهي النافذة للعلم والاكتشاف. ففي البلاد العجيبة توجد مكتبة عامّة تحوي ملايين الكتب، وفي كلّ بيت توجد مكتبة فيها آلاف الكتب. وفي هذا رسالة واضحة للفتيان للعودة إلى الكتاب وإنشاء المكتبات في البيوت والمطالعة باستمرار.
والسلحوت المعروف بمواقفه المناصرة للمرأة، يبيّن في روايته هذه، أنّ أحد أسباب ازدهار هذه البلاد العجيبة، أنّ السيادة فيها للنساء والأطفال، أمّا الرجال فيقومون على خدمة النساء والأطفال، لا صلاحيّات للرجال في إدارة شؤون البلاد، لأنّ الذكور يفكّرون بعضلاتهم أكثر من عقولهم، أمّا النساء فيتحلّين باللطف والرزانة ومحبّة الجميع والتضحية في سبيل الآخرين. وهذه رسالة أخرى مهمّة للرجال عامّة والفتيان خاصّة، باستخدام العقل أكثر من استخدامهم للقوّة والعنف.
كما يوجّه السلحوت انتقادًا إلى حكّام الأرض الذين يلجؤون إلى الحروب بهدف السيطرة والطمع، ويسبّبون الكوارث للشعوب، ويدمّرون كوكب الأرض بصناعتهم لأسلحة الدمار. وقد جاء على لسان سعاد ما يلي:” نحن سخّرنا علومنا لخدمتنا لا لصنع الأسلحة القاتلة، نحن لا نقاتل بعضنا البعض، لا ندمّر كوكبنا، نحزن لحالكم، سكّان الأرض، عندما تقتلون بعضكم بعضًا” (ص 73).
البلاد العجيبة رواية شائقة للفتيان، تعتمد على عنصر الخيال، وتدفع الفتيان للتفكير في عالمهم وكوكبهم الأرضيّ، الذي يسوده العنف، والطمع، واستخدام القوّة، وتسخير العلم للفتك بالإنسان، وهي دعوة واضحة لهم لمناهضة هذه الآفات، والتسلّح بالعلم والقراءة والمطالعة وغرس بذور المحبّة في نفوسهم، فبالمحبّة تسمو الشعوب وترتقي وتعيش بأمان.
٦-١-٢٠٢٦










