ديوان “إنّ من الشعر لحكمة” للشاعر د. عز الدين أبو ميزر في اليوم السابع

د

القدس 5-2-2026 من ديمة جمعة السّمان

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية الأسبوعية ديوان الشعر القصصي ” إنّ من الشّعر لحكمة” للشاعر د. عز الدين أبو ميزر.

الديوان يقع في333 صفحة من القطع المتوسط، يحتوي على أشعار قصصية تتميز بأنها تحمل تجربة إنسانية ومعرفية ناضجة.

افتتحت مديرة الندوة ديمة جمعة السمان، التي رحبت بالشاعر ورواد الندوة وقالت:

في ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية، نلتقي اليوم مع تجربة شعرية ناضجة ومتجذّرة في الوعي والذاكرة، ونقف عند ديوانٍ يصدق عليه القول العربي القديم: “إن من الشعر لحكمة”، للشاعر الدكتور عزالدين حسني أبو ميزر. هو ابن القدس، المولود فيها عام 1938، الذي تشكّل وعيه بين مدارسها، ورافقته النكبة وهو طفل، فكانت الكلمة ملاذه المبكر. نهل حسه اللغوي من بيئةٍ شفوية غنية؛ أبٍ حفظ الشعر رغم أميّته، وأمٍ اختزنت الحكمة في أمثالٍ عامية بالغة الدقة، فترسّخت في داخله علاقة عميقة بالكلمة والمعنى.

جمع الدكتور أبو ميزر بين العلم والأدب؛ درس طب وجراحة الأسنان في جامعة دمشق، ومارس المهنة دون أن ينقطع يومًا عن الشعر. كتب منذ شبابه، ونشر في الصحافة المقدسية، ثم واصل الكتابة بصمت حتى تفرغ لها بعد التقاعد، فكان العطاء أوفر والنص أكثر نضجًا. أصدر ديوانه الأول المطبوع “توأم الروح” بعد انتمائه إلى ندوة اليوم السابع، وتلاه إصدار إلكتروني مهداة من مجلة همسات فوق أوراق الصمت، وها هو اليوم يقدّم ديوانه الثالث الإلكتروني “إن من الشعر لحكمة”، على أن يتبعه ديوان “رحيق الزنابق” في الشعر الغزلي والعاطفي، إضافة إلى رصيد شعري كبير غير مطبوع يشكّل أكثر من خمسة دواوين، وديوان ضخم بعنوان “حصاد الأيام” يزيد على عشرة آلاف بيت من الشعر العمودي.

يأتي هذا الديوان خلاصة تجربة طويلة، شعرٌ عمودي رصين، يؤمن أن الشعر حكمة وفكرة وموقفًا من الحياة. بهذه الروح، نفتح نقاشنا اليوم، مرحّبين بالشاعر والديوان، ومؤكدين أن من الشعر… حقًا… لحكمة.

وأضافت السمان:

وفي هذا الديوان  “إن من الشعر لحِكمة”  يدخل القارئ إلى عالم مكتمل الرؤية، تتجاور فيه الحكمة مع الحكاية، والقصيدة مع القصة، والذات مع القضيّة.

 ويجدر في التمهيد أن نتوقف عند لفتة الوفاء التي يفتتح بها الشاعر ديوانه، إذ يقدّم شكره للأديب إبراهيم جوهر، وللأديب جميل السلحوت، ثم لزوجته السيدة دولت الجنيدي، توأم روحه وسنده، في إشارة إنسانية صادقة تكشف مبكرًا عن طبيعة هذا الصوت الشعري الذي لا يفصل الإبداع عن الامتنان، ولا الحكمة عن العِشرة.

يؤكد الديوان قدرة فريدة على صوغ القصيدة القصصية بمهارة لافتة، تجمع بين التكثيف حين تقتضي الفكرة الإيجاز، والامتداد حين يستدعي المعنى فسحة سردية أوسع. فكل موضوع يتحوّل إلى حكاية شعرية متماسكة، ثم يُختتم ببيت محكم يعيد للنص توازنه الجمالي والفكري.

 هذا الإحكام في البناء يمنح القصائد طابعها التعليمي غير المباشر، ويجعل الحكمة تنبثق من السياق بسلاسة

ويبرز في الديوان حضورٌ واضح للقضية الفلسطينية، بوصفها جرح إنساني مفتوح، مقرون بنقد واعٍ للتخاذل العربي، يقدّمه الشاعر بلغة موزونة، بعيدة عن الخطابة، قريبة من الوجدان.

 إلى جانب ذلك، تتلألأ قصائد مستوحاة من التراث، والأمثال الشعبية، وحكايات الملوك والبسطاء، وأخرى على ألسنة الحيوانات أو في وصفها، كما في رمزية الأسد والواوي، أو الثعلب الذي يغدو ملك الغابة. وهو توظيف ذكي، مبطن، غير مباشر، لكنه عميق الدلالة، يفضي إلى حكمة، أو عبرة، أو إعادة نظر في قصة مألوفة.

تنوع العناوين في الديوان هو دلاليٌّ بامتياز؛ إذ تتوزع القصائد بين الخُلُق، والثأر، والعفو، والعفّة، وجبر الخواطر، وبرّ الوالدين، والشجاعة، والمروءة، والنذالة، والسخرية، والعدل، وكيد النساء، والعاقل والسفيه، وصولًا إلى حكم مختزلة مثل: الحق أحق، اختر كلماتك، ويبقى الله هو الأعلى، كلمة خير، والعار عليك. عناوين منتقاة برويّة وذكاء، تشي بأن الشاعر يعرف طريقه إلى القارئ دون حواجز.

واللافت أن العلاقة بين الكاتب والشعر هنا علاقة عشق قديم لا يفتر؛ فمنذ أن قرأ “بحور الشعر” في الصف الرابع الابتدائي، اتحدا روحًا واحدة في كيانين.

لذلك تأتي النصوص صادقة، بلا لبس، توقظ في القارئ شعورًا داخليًا مؤثرًا، وتضعه أمام مفترق الخير والشر، وتحذّره من الغفلة، وتوقظ فيه النفس اللوّامة. إنه شعر موزون، جميل، ممتلئ بالحِكم والنصائح، لكنه قبل ذلك وبعده شعر حيّ، كُتب بقلب إنسان.

وقال محمود شقير:

أمضيت ساعات من المتعة الخالصة مع ديوانك الشعري الشامل، وهو المكرس للشعر القصصي الذي تراوحت قصائده بين مقطوعات مكثّفة قصيرة، وأخرى طويلة بحسب القضية المطروحة على بساط الشعر. وقد لفتت نظري قدراتك المؤكّدة على تحويل كلّ موضوعة تتناولها إلى قصة شعرية أو قصيدة قصصية فيها كلّ سمات الشعر ومزاياه من وزن وقافية وموسيقى وعاطفة وفكر وإمتاع، وفيها في الوقت ذاته سمات القصّة من سرد وإخبار ومن توتّر درامي يصل حدّ الذروة ثم تنتهي القصيدة ببيت من الشعر يشكّل خاتمة مقنعة للحدث القصصي الشعري. وخلال الإبحار في عالمك الشعري لاحظت أنك تطرقت إلى وفرة من قضايا النفس البشرية وعلاقتها بالدين وبأخلاقيّاته السمحة، وبمختلف مظاهر السلوك البشري، علاوة على تخصيصك عددًا غير قليل من القصائد للقضية الفلسطينية ولمعاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي ولتخاذل الحكّام العرب. وثمة في الديوان قصائد مشتقّة من تراثنا الأدبي وأمثالنا الشعبية ومن قصص الملوك وفقراء الناس، علاوة على قصائد جاءت على لسان الحيوانات، أو جاءت وصفًا لها ولتصرّفاتها للخروج منها بحكمة أو عبرة ما، أو قصائد جاءت لإعادة النظر في قصة ما. كلّ ذلك، مما لا تحدّه أسطر قليلة موجزة، جاء بلغة جميلة عذبة وبجرس موسيقي جذاب، وتنويع في القوافي، وقدرات فنية مثيرة للإعجاب. مع تمنياتي لك بموفور الصحة ودوام الإبداع.

وقالت د. روز اليوسف شعبان:

يشير عنوان الديوان إلى أهميّة الشعر، ليس كحافظ للتراث فحسب، وإنّما بوصفه حاملًا للحكمة، وناقلًا للتجربة الحياتيّة، ومهذّبًا للنفس، ومقوّمًا للسلوك. وشاعرنا د.  عزّ الدين، يجعل من ديوانه هذا مدرسةً للقيم والتمسّك بالأخلاق، إلى جانب تسليط الضوء على عيوب مجتمعنا، ورجال السياسة والقادة، بأسلوب حكائيّ لا يخلو من الفكاهة والرمزيّة.

بنيت جميع قصائد الديوان، وفق مبنى القصيدة الحكائيّة، الّتي تميّز تيّار الحداثة في الشعر الحديث. فلكلّ قصيدة حكاية، أو حدث، أو مشكلة، وتحوي على عنصريّ الزمان، والمكان، والشخصيّات، والنهاية. أمّا النهايات فغالبًا ما تحمل بعدًا فلسفيًّا تأمليًّا أو حكمة.

تعرّف الوكبيديا القصيدة الحكائيّة كما يلي: القصيدة الحكائية (أو الحكاية الشعريّة) هي نوع أدبيّ يدمج بين السرد القصصيّ والوزن الشعريّ، حيث تروي أحداثًا متسلسلة، تتضمّن شخصيّات، زمانًا، ومكانًا، وغالبًا ما تنتهي بمفاجأة أو حكمة. تعتمد على الرموز وتجسد قيمًا أخلاقيّة أو وطنيّة، ويعتبر أمير الشعراء أحمد شوقي من أبرز روادها في العصر الحديث، خاصة في حكاياته للأطفال.

يمكننا تقسيم مواضيع القصائد\الحكايات في ديوان أبو ميزر إلى الموضوعات التالية:

أولًا: الموضوعات الاجتماعيّة: يغلب عليها الطابع التربويّ والأخلاق والسلوك الإنسانيّ، الّتيتُعالج قيمًا مهمّةً مثل: التربية، والسلوك اليوميّ، والقدوة الحسنة، كلمة خير، الرشوة، الخداع وغيرها… من هذه القصائد:

                 قوِّم بالخلق، الذئب، الثواب والعفو، العاقل والسفيه، حسبك عيب، عففت فنلت، لا حقّ إذا رشي القاضي. ومن هذه القصيدة الأخيرة أقتبس الأبيات التالية (ص 109):

في القرية قاضٍ كان اتّخذ الرشوة للعيش سبيلا

والحقّ لديه لمن هو يدفع قبل الحكم المعدولا

وإذا الخصمان هما دفعا فالخاسر من دفع قليلا.

تبرز هذه القصائد فكرة أنّ الأخلاق هي ميزان الإنسان، وأنّ التربية لا تقوم على العنف والرشوة والفساد، بل على القيم والمحبّة والصدق والاستقامة.

 ومن الموضوعات الاجتماعيّة، نجد بعض القصائد التي تعالج العلاقات الأسريّة والإنسانيّة، علاقة                    الإنسان بالآخر. من هذه القصائد: النسوان، حسبك، عيب، الثواب، والعفو. 

ثانيًا: الموضوعات السياسيّة والوطنيّة

تؤرّق هذه الموضوعات نفس الشاعر، فنجده يتناولها في كثير من ألم مشوبٍ بالسخريةِ حينًا وبالرمزيّة أحيانًا. فنجده يوجّه نقدًا للسلطة الّتي تستبدّ بمواطنيها، ويعمّ فيها الفسادمن هذه القصائد:

                 الأرنب (نقد البيروقراطية والفساد الإداري)، ثوب الأمن، الأستاذ والكاتب، العار عليك، الفساد السياسيّ، الأمّ ( بعد سياسيّ ورمزيّ)، الذئب (رمز الحاكم/المستبد)، الأسد والواوي، ( ترمز إلى الفساد السياسيّ).

من قصيدة الفساد السياسيّ (ص 55) تقتبس ما يلي:

عن مفهوم فساد السلطة يوما سأل الولدُ أباه

فابتسم أبوه وقال قريبًا تكبر ثمّ تعي معناهْ

فرأى من ثقب الباب أباه والخادمةَ بغير خجل

في اليوم التالي قال الولد عرفت السرّ ولغزي انحلّْ

لما يلهو بقوى الكدح رأس المال بغير ملل

وتظلّ حكومتنا هجعى قلقا يبقى الشعب ومهملْ

يعتمد الشاعر في هذا النوع من القصائد الحكائيّة، الرمز الحيوانيّ أو المشهد الحكائيّ، لتعرية الظلم دون خطاب مباشر، معتمدًا على الرمزيّة، وعلى ثقافة القارئ، واطّلاعه على نماذج مشابهة، مثل كتاب كليلة ودمنة.

كما تطرّق الشاعر إلى ما يعانيه الشعب العربيّ والفلسطينيّ من القهر والاحتلال والخذلان الجمعيّ.

فنجد قصائدَ تمسّ الواقع العربي والإنسانيّ، مثل: من فينا الأنذل، العار عليك، الأستاذ والكاتب الأمّ، الأنذال، الأسد والواوي.

وفي هذا الباب نجد أيضًا الموضوعات الإنسانيّة العامّة. وقصائد تؤكّد إنسانيّة الإنسان. وقد تطرّق الشاعر في هذا النوع من القصائد إلى موضوعات مثيرة مثل: الإنسان والقدر والحياة، إضافة إلى قصائد تأمليّة في المصير، الحياة، الزمن، من هذه القصائد: العدل، الصبر، حسبك عيب، متاع الدنيا، النسوان،                                         العاقل والسفيه، الثواب والعفو.

رابعًا: الموضوعات الرمزية (الحيوان – الحكاية – المثل)

في هذا الباب نجد تأثّر الشاعر بكتاب كليلة ودمنة، الّي صيغت حكاياته على لسان الحيوانات، وتحمل انتقادًا لاذعًا للسلطة، ولسلوكيّات إنسانيّة مرفوضة اجتماعيًّا وأخلاقيًّا.

اعتمد الشاعر عزّ الدين في هذا الباب، على التناصّ الّذي تمثّل الرمزيّة والحكاية من عالم الحيوانات، وتوظيفه للأمثال الشعبيّة، والتي يستطيع القارئ أن يسقطها على عالم البشر. من هذه القصائد الحكائيّة: الذئب، الأسد والواوي، الأرنب، الحبال السبعة.

ومن القصائد التي حملت قصّة مثل، قصيدته وافق شنٌّ طبقة (ص،112)، ومنها أقتبس بعض الأبيات:”

أحد الأعراب ويدعى شنٌّ كان نبيها وذكيًّا

قد فاق سواه من الأعراب رجاحة عقل وحِريًّا

وبيوم خرج وإذ رجلٌ قد صار رفيق الدرب له

فالتفت إليه شنٌّ وقال أتحملني أم أحملكا ….

ومن القصائد التي حوت حكمًا قصيدة الأفعى والمنشار (ص 135)، فقد رأت الأفعى منشارًا وظنّته عدوا لها، فالتفت حوله لتلدغه، فقتلت بذلك نفسها. ومنها أقتبس الأبيات التالية:”

قالوا في القصص بأنّ أفعى دخلت من ثقب تحت جدار

فرأت بستانا ما فيه يختلب العين والأبصار

في لحظة مرّت أدماها بظلٍّ لم تره في منشار

عضّته لتنفث فيه السمّ فإذ دمها في فمها مارْ

خالته عدوًّا فاجأها وعليها قد سدّ الأقطار

وإذ بالموت يعاجلها بغباء منها واستكبار

فكثير مما حولك يجري لا يؤذيك وليس بضارّ

لكن وهمك هو مهلكك إن أرخى فوق العقل ستار

ووجودك كي يبقى ويطول فيجب بحسن الرأي يُدار

خامسًا: الموضوعات الدينية والأخلاقيّة القيميّة

في هذه القصائد تحضر المرجعيّة الدينيّة بوصفها قيمة أخلاقيّة لا وعظًا مباشرًا. من هذه القصائد:

                 الصبر، الثواب والعفو، حسبك عيب، العدل.     

                 يمكن القول إنّ ديوان أبو ميزر (إنّ من الشعر لحكمة)، مبنيّ على قصائد حكائيّة، كتبت بلغة جميلة وشعر موزون مقفّى، بأسلوب لا يخلو من الفكاهة والرمز والنقد اللاذع والسخرية، ويمكن اعتباره كتابًا للقيم والتأمّل والتفكّر في كنه الحياة، وماهيّة الإنسان على هذه الأرض.

وقالت هدى أبو غوش:

ديوان”إن من الشّعر لحكمة” هو من الشعر العمودي وهو ينتمي إلى الشعر القصصي،وهو أدب يدمج بين فنون عناصر القصة السرد،الشخصيات الحوار،ظهرت القصة الشعرية في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات العشرين،بدأ  تطور هذا النوع الأدبي على يد أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته”برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا”،وثم أدباء المهجر خاصة إيلياء أبوماضي. كما وعرف الشعر القصصي من خلال الشعراء القدامى كامريء القيس  في شعره عند وصفه للصيد.ومن مميزات هذا الشعر  أنه يعتمد على شخصية معينة،أو حادثة واحدة.

في هذا الديوان يحمل الشاعر عزّ الدين أبوميزر رسائل حكيمة ومضامين اجتماعية،تربوية،وطنيةمن خلال قصائده ،ويركز الشاعر في ديوانه هذا على الشعر القصصي الذي يميزه الابتعاد عن التعبير عن مشاعر الشاعر الوجدانية،ويركز بشكل خاص على الحدث والشخصيات.بعض الشخصيات هي من الحيوانات مثل الذئب،الأسد،الواوي،الحمار الغزالة والزرافة وغيرهم  بطريقة رمزية لإبراز حكمة ما.مثل قصيدة”ضع الأشياء بموضعها” حين وضع الرجل حماره فوق السطح  ثم أدى ذلك بالنهاية لسقوط السطح وموت الحمار،هي قصة رمزية للانتباه في أن الشيء في المكان المناسب له.أو قصيدة”هذا شَرَك”التي بلسان الدّب والأرنب.

هناك رسائل تربوية اجتماعية عن مفاهيم الأخلاق ومفهوم الضعف والقوة،خيانة الوطن والوفاء للأعداء،ومواعظ للقارئ جاءت بطريقة النقد والسخرية،فالشاعر يسقط سلوك المجتمع بصورة قصة رمزية أو خيالية ومعظمها بلسان الحيوان للتعبير عن رسالة وحكمة ما.

في قصيدة “بالخُلق نُقَوّم” تبرز فيها ملامح أهم عناصر القصة (الشخوص والمكان)فالمكان بطريق ريفي،أما الشّخوص فهم :الطفل و الرجل صاحب المركبة. العقدة(كسر الزجاج) والحل هو بالحكمة في نهاية القصيدة(إذ بالخُلق النفسُ تُقَومُ لا بالضربٖ ولا باللعنٖ).

يستخدم الشاعر أبو ميزر في هذه القصيدة ألفاظا لمفردات سهلة وبسيطة وهذا ما يميز الشعر القصصي عامة،نلاحظ أن القصيدة سهلة للقارئ الصغير والكبير،فكأنني أرى الأطفال يقرؤون قصة للأطفال بسرد شعري ملائم لعمرهم،القصيدة تذكرني بقصة للأطفال للأديبة نزهة أبو غوش”لا للخصام نعم للسلام”والتي تنبذ العنف والتحلي بالقوانين. وأيضا مناسبة للكبار لكنها تفتقر إلى الإيقاع الشعري الجميل.

 من الملاحظ أن  أغلب القصائد موزونة، ولكن هناك بعض خروج عن  تفعيلة المتدارك كما في قصيدة “بالخلق نُقَوم”.

 في هذه القصيدة يستخدم الشاعر أبو ميزر البحر المتدارك،لكن في البيت الرابع يخرج عن تفعيلة بحر المتدارك.يقول”صاحبها يبدو ذا جاه -وهو كما يبدو ذا شأن”ففي العجز(فَعَلُ فَعْو فَعْلٌ فعْلن)وهو لا يتطابق مع أي بحور.

وفي العجز في البيت التاسع يقول:”أعَدٖمتَ الأهلَ فلم تَتَرَبَّ -وكلٌّ عن تربيَتَكَ ضَنّْ.”نجد تسكين حرف الرّوي،وهو هروب من الإقواء أي اختلاف حركة الروي الإعرابية كالفتحة والضمة والكسرة. وأيضا خارج عن بحر المتدارك.

وفي هذا البيت في العجز يقول:”ورفع من الحفرة الاثنين” لا يوجد تفعيلة كهذه.ب ب ب ب/ب- -ب-  – – “.

في قصيدة”الثأر والعفو” يحاول الشاعر أن يستخدم بحر المتدارك  مرة أخرى لكنه يخرج عنه،فلا يتطابق مع البحر.أو أي بحر آخر.

يقول”ما كان سوى راعي إبلٍ -مَن لجَأ إليه فَأجارَهْ”.أيضا هذا البيت لا يتطابق مع تفعيلة المتدارك.

أسلوب الشاعر في ديوانه”إن من  الشعر لحكمة”_يستخدم الشاعر الأسلوب السردي القصصي بألفاظ سهلة،وأحيانا قريبة جدا من العاميةمثل:”ما عادت تحملني رجلاي”،”خذ حقك مني”،”وهو وراء المكتب قاعد”،”أو أنا أن أفرح بك”.

استخدام الحوار لرسم صورة حية لحركة الشخصيات،كما في قصيدة “الثأر والعفو”، في نهاية كل قصيدة نجد خلاصة الحكمة من الحدث،في قصيدة الثأر والعفو”ما عفوي يا هذا ضعفا-بل هو عند الله نجاة”،في قصيدة عففتَ فنلتَ “العلة كانت في التدبير_وليس العلة في المغلول” وغيرها

أيضا نجد أسلوب المفارقة  في قصيدة”المنطق العليل في قصة النملة والفيل”بسبب حجم النملة الصغير انكشف سرّ سرقتها حبة سكر،ولكن بسبب حجم الفيل الكبير لم ينتبه إليه أحد حين سرق،وهي أيضا قصة رمزية حين يسرق المواطن يعاقب ،أما حين يسرق الحاكم فلا عقاب.

أيضا أسلوب المفارقة في قصيدة”الأستاذ والكاتب”بالإضافة إلى النقد ما بين الواقع والكتاب.

إن الشعر القصصي أحيانا يقيد الشاعر،فتأتي القصة على حساب إيقاع وجمال القصيدة.وفي هذا الديوان نلاحظ تفاوتا في جودة وجمال القصائد ،بعضها جميلة وأخرى بشكل أقل.

وقالت نزهة الرملاوي:

قراءة في قصيدة (الثأر والعفو) من

 ( ديوان إن من الشّعر لحكمة) صفحة 6- 9 للشّاعر عزالدين أبو ميزر، يقع الديوان في 333 صفحة من القطع المتوسط.

ما كان سوى راعي إبل       من لجأ إليه فأجاره 

هربا من أحد يرصده          لدم منه يطلب ثاره

والراعي كان أخا عهد        ما خفر ولا خان جواره

يبين لنا الشاعر حياة البداوة وما فيها من خصال حميدة كالكرم وحماية المستجير، والوفاء بالعهد، ويصور حاله وهو يعيش بترقب وقلق أثناء بحثه عن شخص قتل أبيه كي يثأر منه.

جاءه رجل استجار به فأجاره، أعطى الراعي المستجير الأمان وأطعمه وأكرمه ولم يسأله عن اسمه أو قبيلته كعادة البدو.

 في يوم سأل المستجير الراعي المتعب عمن يبحث، فسماه، فاعترف له أنه الرجل الذي قتل والده واسمه (معين بن شطارة).

قال أتعرف اسم القاتل.       قال مُعين وبن شطارة   

 طلب المستجير من الراعي أن يأخذ بثأر أبيه ويقتله، أجابه بكل ثقة:

لكني لا أخفر عهدي         أو أكشف عنه أستاره

بالنهاية عفا الراعي عنه المستجير وطلب منه أن يغادر دون أن يلحق به الأذى، وقال له عند الله تلتقي الخصوم.

فاخرج وأبي يلقاك هناك   عند القاضي العدل الله

ما عفوي يا هذا ضعفا        بل هو عند الله نجاة

أبيات شعرية عبرت عن تجارب انسانية وواقعية كتبها الشاعر عمر أبو ميزر بمصداقية، وهي قصائد عذبة غنية بالفائدة والعلم والحكم، لغتها سهلة انسيابية، واقعية تصويرية تميل إلى الواقعية القاسية المنتشرة في البادية، فقد استخدم الشاعر في قصيدته كلمات تناسب البيئة الصحراوية وحياة البداوة. 

تميزت أبيات القصيدة بأنها عميقة المعنى، ومتينة المبنى وثاقبة الفكرة.

اولا: الفكرة الرئيسة:

تجلّت الفكرة بحكمة واضحة وهي وجوب التخلي عن القتل والأخذ بالثأر من القاتل سواء في البادية أو في المدينة، والتّحلي بقيم العفوّ والتسامح، ورحابة الصدر ضمن آفاق إنسانية تنطلق من دوافع أخلاقية سامية بعيدة عن الغدر والعنف.

أشارت أبيات القصيدة الى حياة متعبة ومرهقة يحياها الإنسان إذا ما فكر بالقتل والثأر. واشار إلى شيم البدوي في الكرم وعدم التخلي عمّن أجاره والعفوّ عنه حتى ولو كان المستجير قاتلا.

كتب الشاعر في قصيدته  تفاصيل تحمل في طياتها معان سامية تناسب الحدث، أكّد الشاعر فيها قول الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان في كبد).

عبّرت لنا الأبيات عن شعور طبيعي واقعي مثقلا بألم الفقد والثأر، والأمل بالنجاة من القتل، وقد اتسمت الأبيات بالوضوح والقوة.

 المعنى العام للقصيدة

 ترسم الابيات صورا إنسانية تتمحور حول راعي يرعى أغنامه كعادته في كل يوم، ويصور قسوة هذا اليوم بسبب الجوع والتعب أثناء التنقل  في البحث عن الكلأ والماء، حيث ينقص الزاد، وتشتدّ الظروف قسوة، ومع ذلك يستمر الراعي في أداء واجبه تجاه الإبل/القطيع. يحافظ عليه ويسقيه ويترك له حرية التنقل مع المحافظة عليه.

نصّ يعبّر عن التّفاني بالعمل وأدائه على أكمل وجه، وان دلّ ذلك يدل عن الاستمرار رغم فقد الراحة، ويعبر عن العمل كواجب نقبل عليه بهمة ونشاط، بوصفه أداة فاعلة للتطور وجني المال وإبعاد الملل.

ثانيًا: الشّخصيات والرّموز

 الراعي: شخص يرعى الإبل، يرمز إلى الإنسان البسيط الذي يحمل عبئًا يوميّا دون كسل أو تأخر، انسان يعاني من التعب ليوفر قوت يومه أثناء بحثه عن قاتل أبيه.

شخص ألف الواقع وكابد المشقة، واكب خطرا لا يعرف من أين يأتي، لكنه في نهاية الأمر استبدل القسوة والثأر بالرأفة والعفو والتسامح.

 المستجير معين بن شطارة: فقد اتسمت شخصيته بالتهور والندم وعتاب النفس، والوضوح والصدق، والخجل من كرم الراعي الذي أجاره وآثره على نفسه وجلب له الطعام بمشقة وتعب، عبر عنها الشاعر من خلال مشاهد قصيرة أكد فيها على قول الله تعالى:

(ولقد خلقنا الإنسان في كبد)

ومن دلالات الجوع المتعددة في القصيدة التي يمكن أن تستنبط من الأبيات، جوع للراحة والأخذ بالثأر، وجوع للاعتراف بالقتل والبحث عن الأمان.

 عبرت لنا الأبيات عن شعور طبيعي واقعي ممثلا بكظم الغيظ وحفظ العهد، والعفو والتسامح الذي يذكرنا بعفو النبي ﷺ قدوتنا: عندما دخل مكة فاتحاً، عفا عن قريش التي آذته وأخرجته، قائلاً: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

وهي رسالة مجتمعية تؤكد فيها أن العفوّ من القيم السّامية، وهو من شيم الكرام، قوة تعبّر عن طيب نفس المتسامح وعلوّ منزلته عند الله، بالاضافة أنه يساعد على استمرار العلاقات الأسرية والمجتمعية وتماسكها وصلاحها. أما التسامح فهو من القيم العظيمة التي تزرع السّلام الداخلي في نفس الفرد، وتحرر القلب من الحقد والضغينة والفوز برضى الله والجنة.

وقالت نزهة أبو غوش:

يقدّم الشاعر ابو ميزر قصائد شعريّة تقوم على الأسلوب القصصي الشعري، حيث تتحول القصيدة إلى حكاية إنسانية ذات حدث وشخصيات وخاتمة تحمل حكمة أخلاقية. لغته واضحة ومباشرة، تخدم الفكرة ولا تميل إلى الزخرفة، مما يجعل المعنى قريبًا من القارئ.

تتميّز القصائد بصور واقعية رمزية مستمدة من الحياة اليومية، وتوظيف للتقابل بين القيم مثل العدل والظلم، الرحمة والقسوة، مع حضور واضح للمفارقة والسخرية في نقد السلوك الاجتماعي.

. يحافظ الشاعر على الوزن والقافية، مما يمنح النص إيقاعًا تقليديًا مناسبًا للطابع الحكمي والتعليمي. أما من حيث المضمون، فالقصائد تحمل بعدًا سياسيًا غير مباشر، يتمثل في نقد الظلم، والفساد، واستغلال السلطة، والدفاع عن الإنسان البسيط، دون خطاب سياسي صريح.

الشخصيات:  الإنسان البسيط: الفقير، الجائع، المظلوم، وهو محور التعاطف الإنساني. الطفل: رمز البراءة في مواجهة القسوة والظلم. الضعيف أو الهارب: إنسان مطارد أو منكسر يبحث عن الأمان والعدل. صاحب السلطة / الحاكم / المسؤول: يمثل القوة المتجبرة أو الفساد والنفاق. المنافق أو المتملق: يستفيد من الظلم ويزيّف القيم بالكلام. الراعي / الحكيم (أحيانًا): شخصية أخلاقية تمثل الضمير أو صوت الحكمة. الراوي: الشاعر نفسه، يراقب الأحداث ويستخلص العبرة في النهاية.

يمكن تشبيه هذا النوع من الشعر بالشعراء الذين حوّلوا الحكاية إلى قصيدة، بحيث تقوم الأبيات على حدث، وشخصيات، وحوار، وعبرة في النهاية. وأقرب النماذج هم: أحمد شوقي (القصص الشعري والمسرحي) خصوصًا في القصائد التي تعتمد السرد والحوار، وكذلك في حكاياته الشعرية ذات النهاية الأخلاقية الواضحة. علي الجارم في شعره القصصي والتعليمي، حيث تتقدّم الحكاية خطوة خطوة بلغة واضحة، وغاية أخلاقية أو تاريخية. محمد إقبال في قصائده الرمزية التي تستخدم القصة والمشهد والحوار لنقل فكرة فلسفية أو إنسانية. عبد الرحمن الشرقاوي (في بعض نصوصه الشعرية) من حيث توظيف السرد والموقف الدرامي داخل القصيدة، خاصة في الشعر الذي يقترب من البناء المسرحي. حافظ إبراهيم (في بعض القصائد الاجتماعية) حيث نجد الحدث، والشخصيات، والنهاية الوعظية أو الإصلاحية، بلغة قريبة من المتلقي. التراث العربي القديم (المقامات والحِكَم المنظومة) فالأسلوب القصصي الشعري هنا قريب من روح المقامات.

وقالت د. رفيقة أبو غوش:

    اتّسمت قصائد الشّاعر بروح السّرد المحكي، بصورة تجذب القارئ وسماعها، وعمد الشاعر أن ينهي كل قصيدة في موعظة وحكمة؛ وتذكّرنا هذه القصائد في المعرّي، وأبي العتاهية، وزهير بن أبي سلمى وغيرهم الّين اتّسمت قصائده بالحكم والموعظة الحسنة.

  استخدم الشّاعر لغة فيها السّهل الممتنع، وهي قصائد تندمج مع القافية، بنغم موسيقي جميل؛ وتعبر معظم القصائد موزونة حسب البحور الشّعريّة.

تناول الشّاعر معظم شخصيّات المجتمع على اختلاف النّغم، وانتصرً للمظلومين في المجتمع؛ فنال إعجابي استخدام الشّاعر لشخصيّات بعض الحيوان؛ مثل: الذئب وغيره؛ إنّ هذا الاستخدام معبّرًأ جدّا من الناحية الرّمزيّة؛ بينما يكون الرّمز أقل تأثيرًا من الشّخصيّات الإنسانيّة، وخاصّةً عندما أراد أن ينتقد الشّخصيّات السلطويّة، فالرّمز يؤدّي للهدف المنشود.

الثيّمات في القصائد الشعريّة: العدل -العفو والثّأر – خير الكلمة – حيث تنتهي القصائد غالبًا بخلاصة مباشرة أشبه تقريريّة بصيغة سرديّة وقصصيّة.

 ظهر الصّراع غالبًا بصورة أخلاقيّة لا بطوليّة، والانتصار يكون بالقيمة لا بالقوّة؛ انتقد الشاعر نقدّا اجتماعيّا بدون مواربة، واهتم بفضح الرّياء، والسّخرية من النّفاق، وإدانة الظّلم بصراحة؛ رغبةً من الشّاعر استخدام أداة لتقويم السّلوك الفردي، والجماعي، بلغة وأسلوب بسيطين، وبنهاية أخلاقيّة صريحة.

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات