القدس: 9-4-2026 من ديمة جمعة السّمانناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية الأسبوعيّة نصوص ” شيء يذكّرني بي” للشاعر الفلسطيني عبد السّلام العطاري.افتتحت النّدوة مديرتها ديمة جمعة السّمان .. قالت:أهلاً وسهلاً بكم في هذه الأمسية الثقافية التي نلتقي فيها مع الشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، أحد الأصوات التي اشتغلت على الذاكرة والمكان والإنسان بلغة شعرية هادئة وعميقة.نلتقي اليوم لنتأمل تجربةً جمعت بين العمل الثقافي والإبداع الأدبي، وبين السيرة الشخصية وتحولات المكان الفلسطيني، في نصوص تفتح أسئلة أكثر مما تقدّم إجابات: نصوص ” شيء يذكّرني بي” للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري. صدر الكتاب -والذي يقع في 151 صفحة من القطع المتوسط – عن دار الاهلية للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان للعام 2026. لوحة الغلاف للاخوان ميرو/ اسبانيه، وصممه زهير أبو شايب.العطاري يُعدّ من أبرز شعراء قصيدة النثر في فلسطين.وُلد في عرّابة بمحافظة جنين عام 1965، ويقيم في مدينة رام الله.شغل منصب مدير عام الآداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة الفلسطينية، وأسهم في تطوير المشهد الثقافي وإدارة برامجه، قبل أن يُحال إلى التقاعد في العام الماضي.تتميّز تجربته الشعرية بالاشتغال على الذاكرة والتفاصيل اليومية، وتحويلها إلى نصوص تأملية تمزج بين الذات والمكان.ومن أبرز أعماله الشعرية الدواوين التالية: دوثان، عرّاب الريح، وما ظلّ مني، إضافة إلى كتابه الأحدث “شيء يذكرني بي” والذي سنناقشه اليوم..وهو عبارة عن نصوص يقدّم جزءا من سيرة ذاتية، أو هي بالأحرى لوحات من “ذكريات” تنبض بهدوء داخلي عميق، حيث تتحول الطفولة إلى مساحة تأمل أكثر من كونها مجرد استعادة زمن مضى.النص ينشغل بتفاصيل صغيرة تبدو عابرة في ظاهرها، غير أنها تحمل ثقل التجربة الإنسانية في جوهرها، فيغدو كل مشهد جزءًا من بناء طويل للذات.يعتمد العطاري على لغة شفيفة، تتجنب الزخرفة الثقيلة، وتميل إلى التكثيف الذي يفتح المجال أمام القارئ ليشارك في إنتاج المعنى. الجمل تأتي محسوبة، وكأنّها تخرج من ذاكرة تنتقي بعناية ما يستحق البقاء.هذا الأسلوب يمنح النص طابعًا حميميًا، ويجعل القراءة أقرب إلى الإصغاء لصوت داخلي يروي حكايتَه دون ادعاء.الطفولة في هذا العمل تُرسم بوصفها تجربة مركبة، تختلط فيها مشاعر الاكتشاف الأولى مع القلق الغامض الذي يرافق النمو.ينجح الكاتب في التقاط لحظات دقيقة: نظرة، رائحة، إحساس عابر، ثم ينسج منها خيطًا يمتد عبر الزمن ليشكّل جزءًا من وعيه الحالي. هذه القدرة على تضخيم التفاصيل الصغيرة تمنح النص قيمة خاصة، حيث يتحول العادي إلى دلالة، واليومي إلى علامة.في بعض المقاطع، يميل الإيقاع إلى التباطؤ نتيجة تشابه النبرة التأملية، ما يجعل القارئ يشعر بتكرار الإحساس أكثر من تنوعه. هذا الأمر يفتح بابًا للتساؤل حول إمكان توسيع زوايا الرؤية داخل النص، خاصة أن المادة السردية غنية وقادرة على حمل تنوع أكبر في مستويات التعبير.تحضر العلاقة بين الذاكرة والهوية بوصفها محورًا أساسيًا، حيث تتكشف الذات عبر استرجاع لحظات شكلت ملامحها الأولى.السرد هنا يأخذ شكل بحث مستمر عن معنى التكوّن، عن تلك الطبقات التي تراكمت بصمت لتصنع الإنسان كما هو.الفكرة تتسلل بهدوء، دون خطاب مباشر، مما يعزز عمق التجربة ويمنحها صدقًا واضحًا. كما يحتل المكان موقعًا مهمًا في بناء النص، فيظهر كعنصر حي يشارك في تشكيل الوعي.الأمكنة تحتفظ بأثر الإنسان، وتعيد تقديمه عبر الذاكرة، فتغدو شريكة في الحكاية، وليست مجرد خلفية للأحداث. هذا التداخل بين الإنسان والمكان يثري التجربة ويمنحها بعدًا حسّيًا واضحًا.في المحصلة، يقدّم “شيء يذكرني بي” نصًا قائمًا على التأمل الهادئ، وعلى إيمان عميق بقيمة التفاصيل الصغيرة.الكتاب يترك أثرًا يمتد بعد القراءة، حيث يدعو القارئ إلى إعادة النظر في ذاكرته الخاصة، وفي تلك اللحظات التي تبدو بعيدة، بينما تسكن في أعماقه وتستمر في تشكيله.وقالت د. روز اليوسف شعبان:في لغة شاعريّة جميلة، يفتح لنا الشاعر عبد السلام العطاري، صفحات مذكّراته، ليكشف لنا عن لواعج نفسه، واختلاجاتها، منذ ولادته في العشرين من أيلول عام 1965 في قرية عرّابة جنين، حتّى يومنا هذا.من خلال هذه النصوص، نتعرّف على طفولته، ولحظات الاستمتاع فيها، فنجده يسرج مخيّلته في جيوب الذاكرة، حيث شجرة الخروبة العجوز، وبير إعمر، وأكواز الصبر الّتي كان يقطفها مع أصدقائه، لتكون لعبتهم، كانت طفولة جميلة، ينعمون بها براحة البال، يرضون بالقليل، ويفرحون، ويغنّون، ويحلمون..يستذكر الشاعر أيّام العيد الجميلة في ساحة قاع إسعيد، حيث يلتقي مع أصدقائه، يرتدون الثياب الجديدة الّتي كانوا يعلّقونها قبل العيد بعدّة أيّام، ويفرحون بالنظر إليها، يقبّلون أيدي الكبار، ويقبضون القروش منهم.وفي غمرة هموم الحياة، وضجيجها، يستذكر الشاعر لحظات الفرح في مواسم الحصاد، وعرائش الدوالي، وليمونة قاع الدار، وحوض النعنع، وطرّاحات السهرة، وحكاية الحارات عن جبينة والشاطر حسن، ورغيف خبز الطابون، وشاي المواقد، واللهو بكرات القماش.هذه الطفولة البريئة الجميلة البعيدة عن الهواتف النقّالة، والّتي تعشق تهليلة الأمّهات وصوت الله في مآذن العيد.لعطر المواسم وقع خاصّ في نفس الفتى، فرائحة المطر، وشتوة زهر الرّمّان، والبيادر، وبطولاته الصغيرة في اصطياد البلابل، والتسلّل مع رفاقه إلى الحواكير، لقطف حبّة تين، والسمر حول موقد الحطب، والشاي المدخّن، والبيض الملوّن الّذي كانت توزّعه النساء في خميس البيض، ولعبة بيت بيوت، وهي من الألعاب الشعبيّة في عرّابة، كلّ ذلك يغمر قلبه بالفرح. فيقول:” كم كان للفرح طعم البساتين، والأمّهات المنتظرات عند عتبات الغروب، كم كنّا أثرياء بالحبّ وبالأحلام، كم كانت بيادرنا الكون الخالي من الضغائن والأحقاد”(ص44).يتذكّر الشاعر بيته القديم، فيحنّ إلى وجه الباب الذي كانت تدقّه قبضات أطفال الحارة، ووجه جاره الذي يجلس التعب على جبهته، فيسأله عن آية من الذكر الحكيم، عن درس الحساب، عن جدول الصرب اللعين(ص49).يشتاق الشاعر إلى وجه أستاذ التاريخ، ليعيد رسم خارطة الوطن، ومعلّم الإنشاء ليقول له:” إنّ اللغة فتنة، محبّتها إثم وهلاك، فلا تقترف غوايتها، كي لا تكتوي بنارها”(ص50).ويشتاق إلى وجه أمّه، ونداء الله في صفحات الفجر، فنجده يبحث عن الطفل في داخله الّذي يشتهي الحبّ والحنان، وثوب أمّه، وشروق الشمس، ورائحة الطين، وندى الرّمّان والتين، يحنّ إلى الحارة والبيت العتيق، والعيد الّذي كان يشبهه، يريد أرجوحته، يريد أن يستعيد وجهه الضاحك والناس الطيّبين.(ص50).يحنّ الشاعر إلى كلّ ذلك ويتمنّى راحة البال الّتي يفتقدها في أيّامنا هذه، يتمنّى أن تأتيه راحة البال بين النوم والصحو، تشعل في الليل ومضة حبّ، ومع “شقّة الضو” يفرد الحجل صوته تلويحةً لغمّارات القمح وقافلة البيادر(ص57)يرى الشاعر في أمّه وفي كلّ أمّ، امرأة النرجس والياسمين، تعقد عصبة الرأس، تشدّ زنّار الحرير، تشدّ أزر الحصّادين، تشمّر عن ساعديها، تنشل الماء من البئر، وكان الفتى ورفاقه يعينونها في نشل الماء، وهو يرى في حضن الأمّهات وطنا. (ص59)يعتزّ الشاعر بموطنه بكلّ ما فيه من بيادر، وحواكير، ورغيف الطابون، ورائحة المقاثي، ونداءات الباعة، وصيحات(سمّاعين) الصوت، المصلّين على النبي، الباحثين عن طفل نسي على بيدر اللعب، وشيخ فيه حكمة الأجيال.يذكر الشاعر أطفال المخيّم، واصطفافهم في الطابور ومعهم كرت المؤن، ليستلموا بعض المؤن كالطحين وعلب السردين، لم يكن للفتى مثل هذا الكرت فهو لم يكن لاجئًا، في حين غصّت بلدته عرّابة بلاجئين قدموا إليها بعد النكبة، من يافا وبيسان وحيفا. وعلى الرغم من انّه لم يكن لاجئا إلّا أنّه عرف معنى النكبة ببلاغة اللجوء وقهره.يتذكّر الشاعر فرحته عندما كان يزور مدينة جنين مع أهله، خاصّة قبل عيد الفطر، لشراء بعض الاحتياجات، فيأكل الهربسة، ورغيف الفلافل، ثمّ صار يزورها عدّة مرّات في العام، بعد أن تزوّجت أخته وسكنت فيها.يتذكّر الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجارة الّتي استشهد فيها حمد عام1989.كما يتذكّر الشاعر صبيّة جميلة رآها صدفةً، فيصفها وصفا شاعريًّا جميلا يقول:” فرأى ما رأى شمسَ آذار تخطو بدفئها، وعينَ غزالة تشعل مفاتنَ في عينيها، رحيق الأقحوان عذرها، مزنّرا بخيط الليل شالُها….”(ص83)في مجموعة نصوص عناوينها: سِفْر الغزالة، سِفْر الحجارة، سِفْر شوق قديم، سِفْر النوافذ، سِفْر الأمل، سِفْر الصوت القديم، سِفْرٌ قديم، سِفْر الجواب، يؤكدّ فيها الشاعر على وحدة الوطن: “أجمع حجارة كنعان، من فلسطين كلّها، وأطوف سبعًا، وأرمي بها جمرات حبّ كي تكتمل الصورة”(ص83).لكنّ هذا الوطن كما يقول الشاعر، بات نشرة أخبار، وعنوان الصحف، وامرأة تشعل جيدها بنار الحسرة والألم(ص86).للقدس حيّزّ مهمّ في هذه النصوص فيقول:” يا للأسوار وما تحمله من أمنيات وأغنيات، وضربات خناجر الغرباء، والدمّ جمر السؤال اّلذي قال: هنا القدس.” ويضيف:” لكنّه الأمل المعقود على قبابها، المنحوت بدقّات أجراسها باقٍ وتبقى القدس…”(ص87)للحكايات الشعبيّة نصيب في هذه النصوص: طريف الطول، دلعونة، وجفرا، هذه الحكايات التي كانت تشعل في ذاكرته الحنين لوطن يعبق بالحكايات، يختلس الوقت لينثر عبق الذكريات في نفوس محبّيهكانت الأيّام طويلة بنهارها، وكذلك الليل، لكنّ حكايات الجدّات أو العمّات، كانت كأنّها الهواتف الذكيّة، التي لا تقتل الوقت وإنّما تنعشه.حين يتجاوز الشاعر أربعين عاما من عمره يكتب:” أربعون أو يزيد تمرّ كمجرى نهر يحمل وشوشات العذارى وشيئا من عشقهنّ”(ص125). بعد هذا العمر يشتاق الشاعر صوت جدّته، وحكايات الشتاء، وبرتقالًا مبلّلًا بعتمة المساء، لكنّ الواقع المرّ يطرق مخيّلته بقوّة، فيتساءل؛ كم تبعد عرّابة عن رام الله؟، وسرعان ما يخطر الجواب في ذهنه:” في بلادنا المحتلّة لا يحسب الوقت بحساب المسافة، وإنما بمقدار عدد حواجز الاحتلال على الطرقات، وبمقدار مزاج التنكيل المتوقّع”(ص131).ثمّ يقرّر الكاتب العودة إلى قريته عرّابة، بعد أن غادرها ليعيش في مدينة رام الله، فهو يشتاق إلى كلّ شيء فيها، فقدره مكتوب أن يعود.يختم الشاعر نصوصه بنص شعريّ جميل يشيد فيه بالوطن، فكل شيء يرحل ويبقى الوطن وتبقى القصائد والحكايات، وتبقى الذكريات.لقد جاءت هذه النصوص، لوحات فنيّة شعريّة، تفيض عذوبةً، ورقّةً، تخللّتها تعابير مجازيّة، وأوصاف شاعريّة جميلة، وتناصّ من التراث الأدبيّ والدينيّ. فمن التناصّ الدينيّ ما يلي: بأنّ الأرض يرثها عباده الصالحون (ص 91) وقد وردت الآية في القرآن الكريم كما يلي “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ”(سورة الأنبياء،105). وجاء أيضا في نصوصه:” وادخلوها بلا جواب حالمين”(ص 97). تقابلها في القرآن الكريم:” وادخلوها بسلام آمنين. سورة الحجر، آية 46.).كذلك ذكر: واقصص رؤياك على الناس” تقابلها في القرآن في سورة يوسف أية 5: “ولا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا”. وأيضا قال: والضحى إذا تلاها (ص 76) في القرآن: “والقمر إذا تلاها”(آية 2 سورة الشمس). وهناك تناصّ من شعر محمود درويش حين قال:” وبخبز تنّور نارك (ص 55):” ضَعِيني، إِذَا مَا رَجَعْتُ وُقُوداً بِتَنُّورِ نَارِكْ”.يمكن القول إذن، إنّ هذه النصوص الشعريّة النثريّة، تأخذ القارئ إلى عالم من الخيال والذكريات، فقرية عرّابة جنين لا تختلف عن باقي القرى الفلسطينيّة، فالحكايات الشعبيّة واحدة، والبيوت متشابهة، والأعياد والمناسبات والمواسم ذاتها. من هنا يمكن القول إنّ هذه النصوص تؤرّخ الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للشعب الفلسطينيّ في كامل الوطن.نصّ من وحي كتاب شيء ما يذكّرني بي للشاعر عبد السلام العطاريبقلم: روز اليوسف شعبانحين تغدو الذكريات لوحة فسيفساءتتناغم ألوانهاتبعث في النفس آهاتٍ وحنينتتراءى داليةُ العنبوأكوازُ الصبروأحواضُ النعناعتعبقُ في الأثيروطابةٌ يركلها الأطفالُيسابقون الريحَ في الحواكيرتنبعث الآهاتُ مشوبةً بالشوقِ والأنينعندما تغدو الذكرياتُ وشاحًا من الحريروشالَ أمٍّ يتطاير فوق فوّهة بيروبيدرَ حصادٍوحكايةَ الجارات عن جبينة والشاطر حسنوظريفَ الطولتتراءى جفرا الكحيلةُموناليزا فلسطينتقترب من الحواجزتنتظر ساعات وساعات ويزيد…عندما تغدو الذكريات مئزرًا للحنينوبطاقةَ مؤنٍ يحملها طفلٌينتظر معونةًفي مخيّم اللاجئينعندها يغرّد بلبلٌ حزينيناجي قلوبًا تاقت ليافا وحيفا والجليلعندما تغدو الذكريات نافذة للعودة بعد الرحيليرحل كلُّ شيءٍكلُّ شيءٍويبقى الوطن راسخًاثابتًايحضن الذكرياتِ والقصائدَلا يركع ولا يلينوقالت نزهة الرّملاوي:حملنا الكتاب على أجنحة من الخيال، لحقائق تلمع بالذاكرة وتنبض بالحبّ، ذاكرة طفولية لا تطفؤها ملاعب الرياح، بل تزيدنا تمسّكا بها، لتبقى ناقوسا يدقّ في عالم النسيان.الفكرة الأساسية تدور حول العلاقة بين الذاكرة والإنسان والمكان. استخدم الكاتب أسلوب الاسترجاع والذكريات، ووظف الصور والأصوات والروائح التي علقت في ذاكرة كطفل، حيث أصبحت سببًا في استحضار ماضيه ودخوله إلى أعماق الذاكرة فكتبها.صوّر الكاتب الحياة البسيطة في الحقول والبيوت والقرى، ويؤكد أن الحب والذكريات هما ما يمنح الحياة معناها ودفئها. تناول الكاتب في نصوصه الحنين إلى الماضي وجعل من الحقول والقوافل، والأطفال، والحارات، وصوت الحمام في الصباح عناصر وهاجة تستحضر الذاكرة الريفية والطفولة فيكتبها. توجّه الكاتب في أولى نصوصه إلى الأم والأمهات بوصفهنّ أصل الحياة، كأنه رسالة وفاء للماضي والقرية والطفولة، فاستحضر أمّه بقوله: “يا بن أمي، والأمهات ولادات دون حمل…” وإن دلّ ذلك يدل على أن الأم رمز الحنان والعطاء منذ الولادة، هي بداية الحياة والمعنى، ورمزًا للبداية، مما يمنح النص بعدًا عاطفيًا قويًا.أبرز الكاتب المكان كحامل للذاكرة الحقول والبيوت والحارات وطرق القوافل، وركّز على الذاكرة المليئة بالحنين والشوق إلى مرتع الطفولة، وفصل المكان (عرابة) بجمالية، تلك الأماكن تحولت إلى رموز للحياة القديمة الأصيلة في خياله. توقف الكاتب عند أولاد الحارة ورفاق الطفولة، فأعاد رسم ملامحهم وأصواتهم وألعابهم وعلاقاته بهم. وحول المكان والناس إلى ذاكرة جماعية تحمل معاني الانتماء والحنين للمكان، وأثر الماضي في تشكيل هوية الإنسان. من اللافت في هذا العمل الأدبي أنه تخطّى النثر العادي ولامست كلماته شعور القارئ ووجدانه بقوة، لذا جاء أسلوب الكاتب وجدانيا عاطفيا، معتمدا على لغة مليئة بالمشاعر والحنين، حيث عبّر عن الحبّ والغياب والذكريات والأم والحبيبة والريف بطريقة مؤثرة. وجاءت جمل الكتاب محمّلة بإحساس عميق يلامس شعور القارئ. تميزت النصوص بالسلاسة والوضوح والعبارات الجميلة، وصورا بلاغية من التشبيهات والاستعارات بطريقة لافتة، أضافت بعدا جماليا للنص، ارتبطت بالمشاعر الإنسانية مثل الشوق أو الفقد. أكثر الكاتب من الاستعارة والتشبيه، مثل: الحياة وردة الوفاء عباءة للروح الصباح نداء للروح، واستطاع أن يحوّل الأشياء العادية إلى رموز للبداية والفرح. مما اعطى النص طابعًا وجدانيًا عميقًا. مثال في نص (حبيبة لي) “تمطر كلما تشقّق القلب” صورة تُشبه الحزن بالأرض المتشققة التي تحتاج إلى المطر. “تزهر أوردي حدائق للعشاق” جعل الأوردة حدائق؛ أي أن الحب يملأ الجسد بالحياة. “تصير الوردة زهرة الميلاد” اتسمت لغة الكتاب بالوجدانية والشاعرية المليئة بمفردات عاطفية، حيث برزت من خلال مشاعر الحبّ والأمومة والرّوح والسّلام والحنين، وهذا يعكس حساسية الكاتب تجاه الماضي والإنسان. إضافة إلى إكثاره من الاستعارات والتشخيص حيث انسن الطبيعة وجعلها تحمل صفات إنسانية. من الصور الجميلة في النصوص “يمسحن روح الضوء” تصوير الأمومة كقوة تمسح الألم. “حقائب مهجورة في القلب” كناية عن الذكريات والآلام التي يحملها الإنسان. “تصد الريح القاسية المرّة عن صدورنا الهشة” تشبيه القلب بالشيء الهشّ الذي يحتاج إلى حماية. يؤكد الكاتب أن الإنسان يعيش بالذكريات والحبّ، وأن الماضي الريفيّ البسيط يحمل قيمة إنسانية عميقة، وبيّن أن الرياح القاسية لا تُطفئ إلا ما خلا من الحبّ، وجعل من كتابه شهادة عشق مرتبطة بالأم والمكان والإنسان. وقالت وجدان شتيوي:في البدء، إنّ مَن يرى العنوان يشعر وكأنّه ناقوس يدقّ أعماق ذاكرته، ومن منّا لم يشعر حينًاعلى الأقلّ أنّه نسي ذاته في خضّم الحياة، أو أنّه ينظر في مرآة واقعه فيرى صورة لا تشبهه، فيسارع لينقّب في ذاكرته عمّا يذكّره بنفسه، بنسختها الأولى النّقيّة الصّافية الحالمة.وهذا ما فعله الأستاذ عبد السّلام العطاري فقد حلّقنا معه في نصوصه التي تأرجحت ما بينالقصّة، والسّيرة الذّاتية، وتوثيق التّاريخ إلى مسقط رأسه عرّابة، وإلى رام الله، والقدس، ودورا.إلى حكايات الجدّات كالشّاطر حسن وجبينة.إلى مواسم الزّيتون، والدّكاكين القديمة، والباعة المتجوّلين.أمّا الغلاف: تراه يزدان بخطوط عشوائيّة، لكنّها جميلة، تشبه رسوم الأطفال الحالمة. خطوط مبعثرة، لكنّها بألوانها الحيويّة ناطقة من كلّ زاوية.قد تراها تشبه ألعاب “بيت بيوت”، بخطوطها المتماسكة بعفويّة، أو تشبه الطّائرات الورقيّةبألوانها الجذّابة، تجوب سماء تحلم بالحريّة.حيثما أدرت وجهك في النّصوص طوّقك الحنين، فقد كان المشهد الطّاغي، بدءا من المقدّمة التيبدأت في البحث بين الرّكام عن دمية قديمة، وضحكة من القلب، وفطور تحت توتة الدّار.كان الكاتب يحنّ لطفولته بكلّ ما فيها، حتّى تلك الأشياء التي كان يكرهها.وكان الحنين كثيرًا ما يأخذه لبداية وجوده، وصرخته البكر في أيلول، مستذكرًا حتّى مخاضأمّه، ونداءات الدّاية، وصوت الجارات.أيلول والرّمان تلازم ذكرهما كثيرًا، فذاكرة الزّمان لا تخونها النّكهة، وكأنّ الكاتب يستعيدذاكرته الأولى مع كلّ أيلول، وموسم رمّان، أو مع كلّ حبّة يراها من قريب أو بعيد.ويشرّع بوّابة ذاكرته على مصراعيها مستذكرًا أدّق تفاصيل الطّفولة بما فيها “يمّا شو طابخة؟”التي يسألها فور دخوله البيت …ويختم هذا النّص متعجّبًا: “يا آذار الامّهات كم تتعبنا، نحنالجوعى لهذا النّداء!” ثمّ ينتقل لشهر نيسان مستذكرًا بذلك الثّورة الكبرى، ويربطه بزهر الرّمان أيضًا، وكأنّ الرّمانغدا بالنّسبة له تقويمًا ومرجعًا.كما يستذكر فرحته بهذا الشّهر بالبيض المسلوق الملّون بقشر البصل، والبسباس الأصفر الذيكانت توزّعه العمّات. أوغل الكاتب في وصف نهار بلدته بصباحاتها وظهيرتها، ومسائها، وليلها، وربيعها، وشتائهاوصيفها، وكأنّه يقول: ما زلت أحيا بتلك الذّاكرة الأولى.لغة النّصوص كانت متفاوتة، منها ما هو بسيط تحسّ معه بلغة الطّفولة العذبة السّهلة مثل: بيتإعمر، ويوم “النّزلة “على المدينة، ومنها ما هو من العمق بما لا تتّسع لفهمه ذاكرة واحدة:كبقجة العمر، والطّفرة، وسفر الحجارة. كما كان في تكرار مصطلح “راحة البال”، توق وحنين لتلك الرّاحة التي وجدها الكاتب فيسهول بلدته عرّابة وما فيها من خيرات كاللّوز والتّين والزّعتر، وفي تلالها، وطرقاتها الضّيّقة،وألعاب الطّابة وبيت بيوت، والمواويل، وكلّ ما كان في ذاك الزّمن الجميل الذي قارن بينه وبينه هذا الزّمن:”يوم كان الفرح بالمجان، بلا ثمن نخاطب بعضنا، ننفي قيم اقتصاد السّوق بالعلاقات، ونكسرميزانه التّجاري، القيمة بالقيمة….يوم كنّا بلا مناسك، وفروضنا محبّة لا تنتظر إلا من يقطفها،ويزرعها في حدائق العمر.”كما قارن بين الهواتف الذّكيّة هذه الأيّام، وبين ما كان بمثابة الهواتف الذّكيّة في العهد القديم منسهرات ولمّات للعائلة والأحبّة، إذ قال عنها أنّها تنعش الوقت لا تقتله.وفي أعماق الكاتب رفض جليّ للعمر، وحالة من عدم الاقتناع بعدّاد الزّمن الذي مرّ عليه، دونأن يمرّ فيه ؛ فهو لم ينل من ذاكرة طفولته كما في نص “فتى أيلول: “محاولة إثر محاولةلاسترضاء الذّات، هي الذّات التي أحاول ترويضها، كي أرضى أو أرضي لغتي كلّما عبرتأيلول بعمر يزداد فيه الشّيب، وتزداد به حالة الطّفولة وشقاوتها، وهي تمضي تسند الشّيخ فيقامتي.كما جاء أيضًا في نصّ “ميلاد عتيق”: في العشرين من أيلول، أجادل نفسي بالعمر الذي أجدّلهبسنابل الحقول.لم يقف العطاري عند تفاصيل الأماكن فحسب، فقد كان هناك ذكر لكثير من الأشخاص، وكأنّهممن معالم طفولته الثّابتة، التي ظلّ وفيًّا لها، فخلّدها في كتابه.ولم يكتب من باب الحنين للطّفولة فقط، إنّما حفظًا للتّاريخ بكلّ حذافيره، كما بدا في قوله:”منذ النّكبة ونحن نولد كلّ يوم، كي نحفظ دروب العودة، ونكتب للأجيال التي لن تنسى، وإنمات الكبار، أنّ واد النّسناس، و….ليست مجرّد أسماء، ولا مجرّد أماكن كانت في الذّاكرة،وإنّما هي الحلم الذي يتنزّل كلّ نوم علينا، ونحن نشدّ الوعي على خاصرة الوجع”.زخرت النّصوص بالتّناصات القرآنية الجميلة كما في: “والوالدات يرضعننا إذا جفّتحلوقُنا….يا بن أمّي، والأمّهات ولّادات دون حمل، إذ يمسسهنّ روح الضوء، فنصير أشقاء منغير سوء، هذا كتابي، فخذه بيمينك….فالسّلام على راحة البال، السّلام عليها، على كلّها أينماكانت…وما ذهب الزّبد جفاء…قاب ليلةٍ أو أدنى…هذي بلادي تحدّث أخبارها”.إضافة للصّور الجميلة مثل:”ونمضي معا نتوكّأ منسأة اللّوز”، “كلّها تحوم في ظلّ صوامع القمح”، “نهر السّنين العجافالجائعات”، “لأغمس الزّيت من عين الحنين”، “سوف أمرّ على وسائد النّدى”، “الحياة تفاحةالعتمة”، “نمسح وجوهنا بمنديل اللّعنات”.شيء يذكّرني بي هو كتلة نصوص ثريّة بالشّعور، معبّقة بالحنين، مفعمة بالذّكريات السّرمديّة.وقالت وفاء داري:ليس من السهل أن تكتب عن كتاب يبدو وكأنه يكتب نفسه، أو بالأحرى: يكتب صاحبه وهو يحاول أن يفهم ذاته. وهذه جرأة تحتسب للكاتب، فهذا ما يواجهنا في كتاب “”شيء يذكرني بي”، الصادر عام 2026 عن دار الأهليّة للتوزيع، في 154 صفحة، للكاتب عبد السلام العطاري، يشغل اليوم عضوية الأمانة العامة للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، ويعمل مديرًا عامًا للآداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة الفلسطينية. هذه الخلفية ليست مجرد سيرة مهنية؛ بل مفتاح لفهم ثقل النص وانشغاله العميق بالهوية والذاكرة.منذ العنوان يضعنا الكاتب في مأزق فلسفي واضح: الذات ليست معطى جاهزًا، بل أثر يستعاد. “شيء يذكرني بي” لا يفترض معرفة الذات، بل يعترف بانفصالها. وهذا ما ينعكس مباشرة على طبيعة النص الذي لا ينتمي إلى جنس أدبي صريح، بل يتحرك في منطقة هجينة بين السيرة الذاتية والنثر التأملي تحت سقف النصوص الأدبية. نحن لا نقرأ رواية، ولا ديوانًا، ولا نثرًا بل نقرأ ذاتًا تتفكك وتحاول إعادة تركيب نفسها عبر اللغة.الزمن: في العمل دائري ومتداخل؛ الطفولة، لحظة الكتابة، والذاكرة الجمعية تتقاطع دون إشارات واضحة، بينما المكان يتحول من جغرافيا إلى حالة نفسية، حيث تتماهى القرية، المخيم، والوطن مع صورة الأم. الأم هنا ليست شخصية، بل مركز رمزي: رحم، أرض، وهوية. ويتجلى ذلك بوضوح في استعادة الميلاد في شهر أيلول، كما في الصفحات الأولى، حيث يظهر الحدث لا بوصفه بداية بيولوجية، بل بوصفه لحظة تأسيس وجودي، مشحونة بالألم والحنين معًا.الأسلوب الأدبييكتب المؤلف بلغة مشحونة بالعاطفة جميله بطبيعتها وكثيفة بالمجاز، تميل إلى الشعرية حتى في أكثر لحظاتها سردية. تتجاور الجملة الطويلة المتدفقة مع ومضات قصيرة حادة في محاولة لالتقاط ارتجاف الشعور قبل استقراره. غير أن هذا الأسلوب على جماله يعاني أحيانًا من الإفراط، حيث تتراكم الصور دون فسحة كافية للمعنى كي يتنفس، فتغدو اللغة غاية بحد ذاتها بدل أن تكون أداة كاشفة. أما البنية السردية للنص تقوم على التشظي. لا حبكة تقليدية ولا تسلسل زمني واضح. مقاطع متفرقة، كل منها يحمل شحنة شعورية مستقلة تنتقل من تأملات في اللغة إلى استعادة لحظة الميلاد، ثم إلى مشاهد من المخيم والانتظار. هذا التفكك يعكس طبيعة الذاكرة.لغويًا: يمتلك الكاتب طاقة تصويرية عالية. أبدع الكاتب العطاري في توظيفها حيث الجمل مشبعة بالمجاز، والصور أحيانًا لامعة وقادرة على ملامسة العمق، خاصة حين يربط بين الأم والأرض. لكن هذه القوة نفسها تتحول إلى نقطة ضعف عندما يفرط في استخدام المجاز، فيغدو النص كثيفًا إلى حد الغموض، بل ويقع أحيانًا في خلل نحوي أو تركيب غير مستقر. كذلك، يعاني النص من تكرار دلالي، حيث تعاد نفس الرموز (الأم، الأرض، الحب) دون تطوير كافٍ.على مستوى التأويل، يتمحور العمل حول سؤال واحد: من أنا خارج ذاكرة أمي؟ ومن هنا يمكن اعتباره سيرة ذاتية مقنّعة، لا تعلن نفسها بشكل مباشر، بل تختبئ خلف اللغة الشعرية. حضور الأم وتحديد زمن الميلاد واستعادة الطفولة، كلها عناصر تؤكد هذا البعد، حتى لو حاول النص التملص منه.أما البعد الاجتماعي والسياسي، فهو حاضر لكنه غير صدامي. المخيم، الانتظار، والمساعدات الإنسانية تظهر كخلفية دائمة، لكنها تُروى بلغة حنينية أكثر منها نقدية، وكأن الكاتب يفضل تذويب الواقع في الشعر بدل مواجهته مباشرة.في النهاية: “شيء يذكرني بي” عمل يحمل حساسية إنسانية عالية، ويقدّم تجربة صادقة في مساءلة الذات والذاكرة. صحيح أنه يعاني من بعض التراخي البنائي والإفراط اللغوي، إلا أن ذلك لا يحجب قيمته بوصفه نصًا نابضًا بالحياة، ولا يقلل من قيمته فهو كتاب قادر بجدارة وسلاسة على ملامسة القارئ وإشراكه في رحلة البحث عن المعنى. إنه عمل ينجح في خلق مناخ شعوري عميق، ويترك أثرًا يمتد بعد القراءة، وهو ما يُحسب له قبل أي ملاحظة تحليلية.وقالت هدى أبو غوش:في العنوان “شيء يذكرني بي” يتحدى الشاعر الواقع والحرب والدمار في وطنه،من خلال ذاكرة الاسترجاع للماضي التي تمتلئ بالحنين.العنوان المركب “شيء” هو الماضي الجميل الذي يهرب الشاعر إليه،فالماضي يذكره بذاته”يذكرني بي”. ويوقظه من واقعه في بحثه عن ذاته الجميلة،ونحن نتابع حروفه تطل نافذة ذاكرتنا لتتشابه في بعض الذكريات.ولقد جاءت النّصوص المتعددة بأسلوب شاعري،ونثري،بقالب سيرة ذاتية،وأحيانا على شكل قصيدة نثرية،أو نص سردي.فالذاكرة عند العطاري هي ذاكرة لا شفاء منها إلا بفجر جديد يعود.في “شيء يذكرني بي”نجد استحضار العطاري للماضي؛ليبحث عن راحة البال التي أصبحت معقدة في الحاضر،ولذا نجده يكرّر مفردة “راحة البال “عدّة مرّات.فالماضي هو يجعله يتجاوز أسى الحاضر ووجعه،ويتنفس رئة راحة البال.وأيضا في ذاكرة الماضي تعزيز لإرتباطه بالجذور،والأصالة.”أُريد راحة البال بين كفيّ أشربُها ماء طهورا ،وأغسل وجهي من عتمة العصر الجديد”.ولذا نجد العطاري يستعيد ذكريات الطفولة وعلاقته بالمكان،كي يستريح من عناء الحاضر،في ذكريات لا تأخذ الكاتب إلى طفولته فقط، بل وإلى القارئ نفسه،وفي استعادته للطفولة وبداية ميلاد فتى أيلول رحلة لاستحضار البراءة،الحنين،والتحرر من صدمات الواقع،وفي توثيق هذه المرحلة هو حفظ للحياة التي تشكل الهوية.تكرارالأماكن في نصوص الكاتب والشاعر العطاري جاءت لتعبر عن مدى الاشتياق والحنين،وصلة الفلسطيني بالمكان،إذ يرتبط بالذاكرة الفلسطينية الخاصة.يصف حنينه للقدس ولغزة،ويذكر جنين وقريته عرابة،ويأكد على العلاقة المتينة بين الفلسطيني وأرضه والمكان،ويتحول المكان إلى ذاكرة الحكايا والجدّات،فهو يعزز الهوية الوطنية والذاتية، والجمعية في وجه محاولات طمسها.ولذا نجد أنّه يستخدم ويكرّر مفردات كثيرة تتعلق بالمكان والأرض والطبيعة.مثال-البيادر،الحاكورة،البساتين،الزعتر البري،الأشجار والرّمان،السهول ،المقاثي،السهول وغيرها.ويشكل المكان عند العطاري كحالة وجدانية و نفسية،إذ نجد الحنين يمطر بين الأوراق،فالكتابة عن المكان هو حالة تفريغ نفسي،فالكاتب يبحث عن ذاته،ويهرب إلى حياة الماضي المليئة ببساطة النّاس وقناعاتهم بأبسط الأشياء،وفي فرحهم وبسمتهم في شيء صغير،وفي استحضار الماضي راحة نفسية،والشعور بالأمان من ضجيج الحاضر؛فنجده يستخدم الجمل التي تعبر عن الاشتياق، والحنين،ويكرر اسم الإشارة “تلك” للتعبير عن عظمة الفقد،والحنين مقارنة بالحاضر الذي يشوبه البؤس.”تلك الأيام”،”تلك عرّابة التي تتماثل للحب دائما”،”تلك البساتين”.يصف العطاري الرّيف الفلسطيني من خلال عدّة نصوص،إذ يمثل الرّيف الفلسطيني في الأدب رمزا للأرض ،للصمود،للهوية والتراث،فالرّيف ليس مجرد مكان جغرافي، بل هوية وطنية تعبر عن تمسك الفلسطيني بمكانه،ووجوده.يصف ريف بلدته عرّابة -جنين،وعلاقته بها،جغرافيتها،السّهول والتّلال،مرج ابن عامر،حارتها القديمة وأزقتها،الباعة المتجولين(السامبو)،ساحة العيد،الخروبة العجوز،الرّمانة.كما يعبر عن مدى الأثر الإيجابي الذي تركه المكان في نفسه،وجعله يشتاق إليه.”في عرّابة تراني،وجهي الأرضُ وعبادُ الشمس،تراني كلّما عفرتني الرّيح بترابها وقلتُ للريح هي الشوقُ والحنين ،فقالت الرّيح آمين!!”.الأم حاضرة بقوة في نصوصه،في اشتياقه لها،في ذاكرة طفولته،وحنانها،وطبيخها،وأيضا يعزّز الشاعر ويشيد بدور الفلاحة الفلسطينية والأمهات مساهمتهم في أزرالحصادين.(لا فرق بين ثديّ الرّمانةٖ وأمي؛كلاهما شهد الحياة تكوّنا من روح الأرض).جاءت بعض النصوص لتعبر عن الوفاء للمناضلين والشهداء والأصدقاءوالرموز،فيستعيد نبض حنينه إليهم في ذاكرة الاشتياق(غسان كنفاني،ماجد أبوشرارة،ماجد الكيلاني)،ويستعيد ذاكرة المقاومة بالحرف (الشاعر أحمد دحبور والولد الفلسطيني،وناجي العلي)،ونجد في نصوص أخرى ذاكرة الحاضر في تصوير معاناة الفلسطيني في مفهوم المسافة والبعد، بسبب الحواجز والطرق المغلقة،فالمسافة القصيرة تأخذ بعدا آخر عند الفلسطيني.(المسافة بين عرّابة ورام الله تزداد على سبيل المثال).في نصوصه يستحضر أيضا التراث الفلسطيني،كأشكال اللعب(بيت بيوت،لعبة الغميضة،الطابة،وغيرها).وأيضا يستخدم المفردات التي تتعلق بالتراث،وبعض العادات القديمة.(قمباز،مقاعد القش،مصطبة،بابور الكاز،خميس البيض).يبث العطاري من خلال نصوصه الأمل،والحلم رغم الوجع والقهر.نلاحظ استخدامه لمفردات حزينة أو جمل تعبر عن وجه الوطن البائس.(تعفنت من الحزن يا سيدي،هذا الوطن نشرة أخبار..)،كما أكثر من التساؤلات التي تعبر عن الألم الفلسطيني،والصراع بين الحاضر والماضي.يعود الكاتب من الماضي إلى الحاضر ويرى عين الفضاء الأزرق ويختم نصوصه برسالة إنسانية في مضمونها، المحبة وحب الأرض.وقال بسام داوود:الكتاب جميل وثق ذكريات الزمن الماضي البسيط باسلوب جميل ولغة سهلة صدر عن المكتبة الاهلية للنشر والتوزيع يقع في 154 صفحة من الحجم المتوسط .هذه الذكريات التي اشار اليها شاعرنا من قرية عرابة جنين تكاد ان تكون متشابهة في معظم مناطق الوطن وقد وصفت بساطة الحياة في ذلك الزمن .الناس تفرح بابسط الاشياء لكنهم يرون راحة البال قلوبهم دافئة نفوسهم قنوعة اثرياء بالحب بالاحلام لا وجود للضغائن والاحقاد ,الفرح في عيونهم يوزعونه على الاخرين .عاش الناس الحياة المتواضعة الاصيلة حياة البيادر ,الحواكير ,مواسم الزراعة ,مواسم الحصاد تعاملوا مع المذراة الفزاعة خابية القمح ….الخ.كانت المراة تشارك زوجها العمل في الحقل تنشل الماء من البئر تخبز على الرظف في الطابون يطبخون على بابور الكاز او الحطب يستخدمون السراج للاضاءة يستمتعون بشاي المواقد وكانون النار يعيشون في بيت متواضع من الطين لا تغلق ابوابه بل تبقى ابوابه مشرعة على الخير والمحبة والفرح وتقوم المراة برعاية الماشية في سهول القمح ليستفيدوا من حليبها ومشتقاته ولحومها .الامهات يجلسن تحت عريشة الدالية الاباء يتكئون على مسند قش القمح قلوبهم مليئة بالحب والحنان والصدق وراحة الصدر .الامهات ولادات وهن والارض متشابهات في الحب الحقيقي والحنين والعطاء .تلد المراة على يد الداية ,الجارات يجلسن في قاع البيت يبتهلن الى الله بالدعاء ليهون عليها اثناء الولادة ثم تسمع اصواتهن ينادين على الزوج مبارك مبارك جاءك صبي فيبتسم الاب وتبتسم الام التي تربي طفلها بحنية .الاطفال يعيشون حياة الشقاوة يمارسون العابهم البسيطة مستخدمين اكواز الصنوبر وطابة الشرايط التي يصنعونها بانفسهم يمارسون لعبة بيت بيوت من الالعاب الشعبية المنتشرة في المجتمع وهي اجمل بكثير من العاب هذه الايام التي اصبحت كلها العاب الكترونية كانوا يمارسون تلك الالعاب وهم فرحين لم يعرفوا واجهات الزجاج العارضة للالعاب كما هي اليوم .قبل الغروب يوزع الاب على نومهم ضحكة للصباح فهم اغنياء بطهارة تربيتهم بطهارة الفرح في قلوب امهاتهم بطهارة الكف الخشن من يدي ابائهم .الاطفال يشتاقون للصباح يركضون لنومهم بشوق بعد سماع قصة جبينة والشاطر حسن .يتوجهون لمدارسهم مشيا على الاقدام فلا حافلات تنتظرهم ولا مصروف للجيب يحبون مدرستهم ومعلميهم واجمل سؤال يسألونه عند عودتهم من المدرسة يما شو طابخة ؟ هذا السؤال اليومي وكل شيء طيب مع العافية من الام .يوم النزلة الى المدينة يعتبر يوم فرح كبير لها تحضيرات خاصة يشاع خبرها في الحارة والحارات المجاورة كانت لا تحدث الا في المناسبات الضرورية كمناسبة عيد الفطر لشراء لبسة العيد وكان الاطفال يستغلون هذه الفرصة لشراء ساندويش فلافل مع زجاجة كازوز وقطعة هريسة .يوجد في القرية ساحة تسمى ساحة العيد يجتمع فيها الناس في المناسبات يتقابلون يفرحون ينتظرون سماعة المسجد لسماع الاذان وهم يسبحون كما يستمعون لها عند الاعلان عن وفاة شخص مع ذكر اسمه واسم عائلته وينتظرون شهر رمضان للتعبد والاستمتاع باجوائه الدينية .في شهر نيسان تقوم النساء بسلق البيض الملون بقشر البصل ليوزعنه على الاطفال بمناسبة خميس البيض مما يدخل الفرح والبهجة لنفوسهم .الكل ينتظر المواسم والبيادر والسمر حول مواقد الحطب والشاي المدخن وحكايات الزمان عن الزمان .يمشون في الحارة في ازقتها يلتقون بالشيخ يمرون بدكان الحاج يجلسون على مقاعد القش اما الجارات والعمات اللاتي فاتهن قطار الزواج فيتقابلن ويتبادلن الاحاديث والاخبار وهن بمثابة الهواتف الذكية التي تنعش الوقت لا ان تقتله .زاد الفقير الحنطة وقربة الماء و الصلاة والدعاء ويروا في هذا راحة البال ويشعرون بها في تلال القرية في سهولها وطرقاتها الضيقة .الناس تسمتع بنكهة الزعتر , خضرة اللوز ,حبات التين والرمان ,يسرحون الى المقاثي ويسعون لطلب رزقهم يفرحون لعرائش الدوالي لليمونة في قاع الدار لحوض النعنع .اشار الكتاب الى :-النكبة واللجوء وكرت المؤن وحضور الناس للساحة عند قدوم شاحنات وكالة الغوث لاخذ حصتهم من الطحين والزيت وعلب السردين وهذه لا تعطى الا لمن يحمل كرت المؤن ومسجل في سجلات اللاجئين الذين هجروا من يافا وحيفا واللد والرملة وبقية مناطق فلسطين ومنذ النكبة ونحن نولد كل يوم كي نحفظ دروب العودة ونكتب للاجيال التي لا تنسى وان مات الكبار وقد عرفوا معنى النكبة ببلاغة اللجوء وقهره .-غزة نحبها بتفاصيلها ببحرها برمالها بنخلها بمخيماتها مخيما مخيما ورملة رملة وبخشونة الكفين القابضتين على الجمر الحالك .-جنرالات الحجارة حكموا الارض وضبطوا الوقت .-جنين مثلث القول والفعل .-الشهيد يقتلونك ايها الشهيد وتبكيك الارض وقلوب الناس الطيبة .-عنب الخليل :الشهد في عنب الخليل .-اسوار عكا وصواري الغزاة التي غرقت في بحرها .-ماجد ابو شرار واحمد الكيلاني سلام على ارواحهم غرسوا فينا معنى الحب والوطن والشوق والحنين .-الامعاء الخاوية التي تجالد من اجل الحرية والخلاص هي السواعد التي تبني مجد امتنا الصابرة لهؤلاء نغني للصباح .-الوعد المشمشي الذي لا ينتظر تحقيقه .-الابرياء :لا ابرياء في هذه الدنيا ,لا احد بلا ذنب ,من نظنهم ابرياء فقط لانهم احسنوا وابدعوا واجادوا الاختفاء واتقنوا زيف الطهارة والنقاء ووجدوا طرقا مكنتهم من عدم الامساك بهم .-الانتظار :موت بطيء وعجز مستديم .-الخيبة : عندما يصير المكان الذي تحب اضيق من خرم الابرة وتصير غريبا عنهم بمقدار وجع مقيم وتصير المسافة اليه جمرا وناره كاوية .-في بلادنا المحتلة لا يحسب الوقت بحساب المسافات وانما بمقدار عدد الحواجز وبمقدار التنكيل المتوقع .-الظن : ان ظن العشاق بالخسارات فتظن عليهم اللحظة بالفراق وان طال الظن يصير فراقا .-اخيرا :يرحل كل شيء ويبقى الوطن وتبقى القصائد والحكايات والصوت وكلمات الاغنيات فازرعوا في حدائقكم الورد وفي تلالكم الزيتون والغار والارز وفي سهولكم الحنطة وعباد الشمس وافردوا زوادة الحب .يرحل كل شيء وتبقى الذكريات .وكتب رائد محمد الحواري:الأدب الجيد لا يخضع لجنس بعينه، فيمكن أن يكون قصة، أو قصيدة، أو رواية، أو مسرحية، أو نصا نثرا، في كتاب “شيء يذكرني بي” نجد صورة عن هذه الحقيقية، حقيقة الأدب الجيد، الممتع، المثير، المؤلم والمفرح، الأدب الذي يحلق بنا إلى ما نحِن إليه ونريده، وهل هناك أكثر حاجه من استعادة طفولتنا، استعادة أحبتنا الذين فقدناهم!؟الصراعهذا مضمون الكتاب الذي قدمه لنا “عبد السلام عطاري” فبعد أن خرج من العقد السادس وأمسى (شيخا) أراد استعادة عافيته، استعادة ذاته التي أنكرتها عليه الوظيفة، فأخرجته من الحياة، من العمل بقسوة:”بين هذا الركام أبحث عن دمية كانت أمس للطفل الذي غادر الحي، الطفل الذي بات غريبا في وطن الصبا.بين هذا العبوس وحزوز البؤس أبحث عن ضحكة إن تنظر إليها تسرك. بين فجاجة هذا القبح أبحث عن وجه بلادي لعلي أرسم جمالها من جديد.بين هذا وذاك، أكمل السطر ببزوغ فجر الفرح، هذي طريقي، الطريق إلى جنة الروح تقودني، هناك راحة البال والموال، وكان لي فطور أمي في الصباح الباكر تحت توتة الدار” ص6.هذه الفاتحة تعطينا صورة وافية عن فحوى الكتاب، والغاية منه، فالشاعر الذي أكلته الوظيفة، (ومنعته) من الإنتاج الأدبي، وجعلته يعطي الآخرين اكثر مما يعطي “عبد السلام” ها وهو ينصف ذاته ويقدم (باكرة) إنتاجه الأدبي بعد أن تحرر من هيمنة الوظيفة، فكتاب “شيء يذكرني بي” يعد وسيلة رد على قسوة الوظيفة التي ظلمته مرتين، مرة عندما حدت من عطاءه الأدبي ـ فكان عدد أعماله الأدبية أقل من أصابع اليد الواحدة ـ ومرة حينما أنهت عماله وعطاءه الثقافي، وكأنه موظف عادي.لكنه بعد أن (تحرر)، وبعد عام واحد فقط، أنتج “شيء يذكرني بي” حيث يُظهر “عبد السلام عطاري” مُولده الجديد في جنسه، متمردا على الشاعر فيه ـ فلكتاب ليس ديوان ـ ومتمردا على ما هو سائد ومطلوب ـ الرواية ـ فالثنائية التجديد/ التمرد لها علاقة بالوظيفة التي أكلته شابا ورمته شيخا.قد يقول قائل: هذا تفسير/ تعليل أقرب إلى الأوهام منه إلى الحقيقة، ف”عبد السلام عطاري” كان (مرفها) في الوظيفة وله مركزه، وحتى سطوته، نؤكد ما وصلنا إليه آنفا من خلال هذا المقطع:”ماذا لو تأخر الصباح قليلا، وأكملت ما كنت أراه في مراح الأحلام، ماذا لو أتم الحلم حلمه لي، أو أعتدل المزاج دون أن يبتل ريقي بالقهوة ـ القهوة هنا لا معنى لها في النص ـ أو متعة الصباح في عينيك، والأهداب تتفتح كعباد الشمس في مقثاة أبي، ماذا لو.” ص57.اللافت في هذه المقطع وضع القهوة بين شطرتين، فالشاعر يخرجها من النص، ولا يريدها أن تكون فيه، ليس لأنها قهوة، بل لأنها تذكره بالوظيفة، وتعيده إلى ما فعلتنه به، لهذا وجدناه ينتشي في المقطع ويحلق بالغته البيضاء الناعمة، بعد أن (حبس) الوظيفة/ شرب القهوة، كما حبسته ومنعته من الانطلاق.نتأكد أكثر مما ذهبنا إليه مستشهدين بهذا المقطع: “أعبر الثلث الأخير من أيلول، أغلق باب الصيف خلفي لأفتح كرّاسة الخريف على ورق تطاير، وورق يرف كجناح الطير العابر لسماء تتموج بالغيم وبالشمس، والريح حرة المواسم بين برجين سماويين “عذراء وميزان” وإن اختلف المعنى يظل الحلم يراودني كي أقطف يوم ميلادي، وأدق نقش اسم أيلول على غبار حائط العتيق، وأقبل بالهواء وجه “آمنة” وأقول عام الفتى وأيلول، والريح التي تتوسد البرد والدفء” ص16، فهنا يظهر ميلاد الشاعر مزدوجا، يوم مولده، ويوم تحرره من الوظيفة، فها هو يستعد للانطلاق، متجاوزا قيده السابق، وأول انطلاقته كانت نحو أمه “آمنة” وكأنه بها يتقوى لينطلق، فهي من مدته/ تمده بقوه الحياة، أليست هي من أطلقته أول مرة؟.الأمإذا ما توقفنا عند المقطع السابق نجد الشاعر يستعين بأمه، وهذه الاستعانة تمثل عودة (متأخرة) فقليلا ما تناول أمه في أعماله السابقة، ومن يتابع كتابات “عبد السلام عطاري” يجده يحِن إلى والده أكثر من والدته، حتى أنها ـ أحيانا ـ كانت غائبة في إنتاجه الأدبي، لكنه في “شيء يذكرني بي” يفتح لها الأبواب مشرعة، وها هو يتحدث عن مولده في أيلول أكثر من مرة، فتبدو هذه العودة وكأنها (كفارة) عن تقصيره السابق تجاهها.سنتوقف عند بعض ما كتبه عن “آمنة” لنعرف كيف (يكفر) عن (ذنوبه) السابقة: “هو الربيع يطل بباقته وبلباقته، سوف آخذك الليلة إلى بيدر القمح، الليلة، طعم التبغ المخلوط بنعناع حوض أمي، تركته لي بوصلة، قبل شهقتها ورضاها، لم أعلم معنى أن تترك أم حوض نعناع تقدّس بيديها، وشرب من بسمتها وقطف بتباريك الدعاء” ص46، فكرة المقطع ناصعة البياض، وأيضا مطلق البياض، حيث تجتمع فكرة الخير مع الألفاظ، بحيث يصل المتلقي للفكرة من خلال المضمون، ومن خلال الألفاظ المجردة.ونلاحظ استخدمه ألفاظ مكررة: “الليلة، نعناع، حوض، أمي/ أم” وألفاظ تتكرر فيها الحروف: نعناع، الليلة” وألفاظ متشابه الحروف: “بباقته وبلباقته” وهذا يقودنا إلى الحنين، الحب، التماهي مع الأم، فجاءت هذه الألفاظ لتساعد الشاعر في التعبير عن حبه، (والتكفير) عن ذنبه.وإذا تتبعنا بقية المقطع في كامل الصفحة 46، سنجد أن الشاعر لم يستخدم أي لفظ قاس/ أسود، وهذا يقودنا إلى العقل الباطن للشاعر الذي أراد تعويض أمه عما (حرمت) منه، الكتابة الأدبية التي يتقنها “عبد السلام عطاري”ونلاحظ أن الشاعر يستخدم في بداية المقطع صيغة المضارع “هو الربيع يطل، سوف أخذك” وهذه إشارة إلى انطلاقته نحو الحياة، فلم يعد مكبلا بالوظيفة ولا بمهام/ واجبت تجاه الآخرين، فهو الآن يريد أن يكون لذاته، ولمن (قصر) اتجاههم، من هنا نجده يردد قول أمه ويكرره في أكثر من مقطع: “وحين تسألهم أمي بصوتها الرسولي: “أنو اللي بدق؟ أجابوا: “هاظ أنا” ص50، صوت الأم: “أنو اللي بدق؟” الذي كرره الشاعر أكثر من مرة، يشير إلى أن الشاعر يريد الانطلاق كما كان ينطلق مع رفاقه الصغار، حينما كانوا يأتون لبيته، فلم يكن هناك ما يعيقه/ يمنعه من الانطلاق، وما وجود صوت الأم واستعادتها بهذه القوة، إلا لأخذ مباركتها ورضاها وموافقتها، فدون رضاها لن ينجح “عبد السلام” في مهامه واستعادة دورة الأدبي وحيويته كشاعر: “أريد صوت أمي ونداء الله في صفحات الفجر، لأبرر أن الصوت قد تشابه عليّ، لأكتفي بغضب أبي في أول الليل.أريد الطفل الذي يشتهي الحب والحنان، وثوب أمه وشروق الشمس ورائحة الطين، وندى الرمان والتين” ص51، بهذا يكتمل دور الأم، وتكتمل (توبة) “عبد السلام عطاري” ليخرج نقيا ناصعا متعمدا ببركة “آمنة”الطفولة”عبد السلام عطاري” يكتب من خلال ذاكرة الطفولة، وليس من كونه ناضجا/ شاعرا، في “شيء يذكرني بي” يؤكد الشاعر هذا الأمر، فنجده يتوقف عند طفولته بحميمية، فتبدو وكأنها هدفه، وهي من يريد الوصول إليها، يريد استعادتها، التقوي بها، لإنجاز ما تأخر أنجازه: “أريد وجه بيتنا القديم، وجه الباب الذي كلما عبره الزمن ازدان وجهه بضحكات أطفال الحارة الذين دقوه بقضباتهم الطرية، وحين تسألهم أمي بصوتي الرسولي:أنو اللي بدق؟ـجابوا: هاظ أنانبرات الطير في أصواتهم حين تتسلل من (دراب) الباب العنيد.أريد وجه جارنا الذي يفرد شفتيه والتعب يجلس على جبهة وفي يديه روح الأرض ومسافات طريق (الوعر) تتنهد بين عينيه ويسألني في درس الحساب عن جدول الضرب اللئيمأريد وجه حارتانا” ص13، نلاحظ أن الشاعر لا يتحدث كونه شاعرا، بل بكونه طفلا، لهذا يكرر “أريد” ثلاثة مرات في المقطع، فبدا حاله كحال الطفل الذي يطلب حاجاته ولا يتوقف حتى يحصل عليها، وما وجود ألفاظ شعبية/ عادية “صوت الأم، دراب، الوعر” إلا تأكيدا للحميمية التي يتحدث بها الشاعر عن رغباته/ حاجاته، فهو لا يتحدث عن مكانة رفيعة، ولا عن مكان حديث عصري، ولا عن رغبة شباب، ولا عن كونه أب أو زوج، بل عن كونه ذلك الطفل الذي تمتع بحياة لم يجد مثيلا لها بعدما غادر طفولته، ولم يجد مكان بجمال وبهاء ومتعة ذلك المكان، “عرابة” التي عشقها وقرنها بفرح طفولته وحنان أمه وأبيه.يستعيد الشاعر طفولته ليتقوى على مواجهة الواقع، فيقودنا إلى العيد وفرحة العيد: “كانت الأحلام جميلة، جميلة، كنا نرسمها على شجر البلاد، نراها قبل النوم على وجوه الأمهات، في الصباح تشرق ضحكة على شفتي أطفال البيادر والمدرسة، كانت الأحلام سنابل وصومعة قمح وغمار حقول وريق الصباح.عند آخر الطريق في قريتنا، كانت هناك ساحة للعيد، كانت تزهر فرحا، وتعطي ثمار للعائدين، يعطر غبارها ملابسنا الجديدة المحفوظة منذ نهار مدينة قديم، المحروسة بأحلامنا نتفقدها كل صباح، ونأخذ منها نظرة كل مساء.عند آخر الطريق، كانت العباءات تجر فرحتنا، فنركض نحوها، واليد تقبل اليد، والثانية تقبض على “قرش” الضحكة، والعين تومض للعين، فتسيل في جيوبنا ابتسامة الفرح وتتكاثر المراسم في قلونا” ص27، إذا ما توقفنا عند المقطع سنجد أن الشاعر يكرر ألفاظ: “كانت، الأحلام، جميلة، اليد، العين” وهذا له علاقة بحالة الحنين، الحب الذي يكنه الشاعر لطفولته، فجاء التكرار كإشارة إلى طريقة تكلم الطفل الذي يكرر ما يعجبه، وما دخوله في تفاصيل العيد إلا من باب الرغبة الجامحة للتقدم من تلك الأيام، تلك الأمكنة، تلك الطفولة، أولئك الرفاق الصغار، والآباء الكبار.االأسماءيتوقف الشاعر عند الكثير من الأسماء التي أحبها: “الحجة خولة، البائع المتجول السامبو، العمة أم ماجد، العمة أم عادل، مصطفى عطاري، مصطفى دحبور، أبو عبد الله، أم حشمة، يحيى، يوسف العبد، حمد، عبد الهادي الشريف، غسان كنفاني، ماجد أبو شرار، أحمد الكيلاني” إذا ما توقفنا عند هذه الأسماء سنجد بعضها معروف لنا، وأخرى مجهولة الهوية، فالشخصيات العادية التي ذكرها متعلقة بطفولة الشاعر، بينما الشخصيات المعروفة متعلقة بنضجه ورشدة، وهذا يقودنا إلى الشاعر نفسه، فهو يكتب لنفسه أولا، يكتب ليرضي شغف الشاعر فيه، بحيث لم يعد (يهتم) بالآخرين، عرفوا أم لم يعرفوا، من هنا (ساوى) بين شخصيات مجهولة، وأخرى معروف وذات اثر وطني وأدبي وثقافي، وهذا الموقف له علاقة بتمرد الشاعر، باللامبالاة تجاه الآخرين، فهو الآن يمارس حريته دون أية قيود.المكانيتوقف الشاعر عند أكثر من مكان، القدس، رام الله، دورا/ الخليل، غزة، يافا، بير زيت وغيرها من المدن الفلسطينية، لكنه يخص “عرابة” بأكثر من مقطع، فبدت وكأنها نجمة السماء في “شيء يذكرني بي” فهي بالنسبة له الجنة الموعودة، الفردوس المنشود، لهذا ذكر العديد معالمها: “بير إعمير، الوعر، النزازة”: “عطرها مسك الزمان والرمان، في “عرابة” ترى الناس والشيخ والطفل وجرارا معبأة بعطر البئر، ترى الأشياء والأسماء وروح الأرض في صرر “السناسل” وشقوق الصبر والصبار والتين.. في عرابة تنسى غمار الهم والغم وبيانات تجار السوقـ وصوت الردح والاعتقاد والتحليل…في عرابة تراني، وجهي الأرض وعباد الشمس، تراني كلما عفرتني الريح بترابها، قلت للريح هذا الشوق والحنين، فقالت الريح: آمين” ص34، فكرة الحنين حاضرة في مضمون المقطع بقوة، وأيضا نجد الحنين حاضرا في ألفاظ متماثلة التكون: “الزمان/ الرمان، الأشياء/ الأسماء، الصبر/ الصبار، الهم/ الغم” وألفاظ مكررة: “عرابة، ترى، تراني، الأرض، الريح” وألفاظ متماثلة الحروف: “صرر، السناسل” وهذا ما يعمق فكرة الحنين التي يحملها الشاعر تجاه “عرابة”عربة قضاء جنين، عرابة بنت جنين، فجنين المدينة الحلم للطفل، منها كان يشتري ملابسه الجديدة، وفيها يتنفس حياة المدينة، ويشاهد الأضواء الساطعة، والشوارع العريضة، لكنه يتحدث عنها بمنظور/ بمنطق الشاعر الناضج: “جنين، يا مثل القول والفعل الحسن، يا مطلع الفجر الندي، وشروق الشمس بالعلو، إذا تلاها، وصار الزعتر الحراق جمرا، وسنابل المرج نصل رماح، وامتد الصوت العالي من “وادي عز الدين” صعودا حتى “المراح” ولاح في عينيه قبل الشهقة وجه أمه، وابتسم الفتى “للمخيم” وأغمض عينيه بغمزة حب وتلويحة السلام، وأسر في قلبه ما سرى الفجر طريق البلاد كل البلاد” ص76، يقول الشاعر فراس حج محمد: عندما يبتعد الشاعر عن استخدام الأفعال يكون النص/ القصيدة أقرب إلى تمجيد/ تعظيم الشخص/ المكان/ الشيء المطروح، نلاحظ أن النص يكاد يخلوا من الأفعال، مما يجعل المقطع أقرب إلى تعظيم وتمجيد جنين، وهذا يعطي “جنين” بعدا مقدسا.هذا فيما يتعلق بالمدينة، أما سهلها الشهير “مرج بن عامر” الذي يعد الأجمل والأكبر: “يا مرجنا، يا بن عامر، يا الصوت العالي، يا صرخة الكرمل، يا مثلث القلب المسكون بالعشق وبالحياة التي تكتب للحياة، يا مراح الغزلان، والشهداء، والفقراء، يا تعب المواسم يا وردة تهدى لكل العشاق، يا بلادي والاسم من لجف الحنين، نقطة أول السطر لا أخره، وتقول هنا جنين” ص77، نلاحظ أن المقطع يخلو تماما من أي فعل، وهذا يعود أن المكان متعلق بالطبيعة، الطبيعة التي يعشقها الشاعر، فجاء المقطع ممجدا/ معظما سهل مرج بن عامر.الاحتلال والمقاومةيتوقف الشاعر عند الاحتلال والمقاومة، لكنه يتجاوز الطرح المباشر والسائد، مستخدما إشارات يفهمها القارئ اللبيب: “شارع ركب امتداد لشارعين، ما زالت رائحة الشهداء فيهما، وما زالت البيانات السرية مخبأة فيهما، “الساعة والمنارة” قبل أن تخنقهما شواهق الكتل الإسمنتية وتكتم أنفاس معالمها التاريخية الجميلة” ص68، نجد صورة عن المقاومة، لكنها صورة غير مباشرة، فالشاعر اكتفى بالحديث عن رائحة الشهداء، وهل للشهداء رائحة؟ فهو من استخدام “الرائحة” يؤكد الحديث النبوي الشريف الذي يتحدث عن رائحة المسك الملازمة للشهداء.الشهداء في فلسطين يزفون كالعرسان: “بكفيه، يرتق جرحه بما ظل من قبلة أمه، بما تيسر من دعائها، بيديه يحفن رضاها، يمسح وجهه فيتورد الوجه، وتومض عيناه وداعة العاشق الخجول” ص72، ففي هذا المقطع يتخلى الشاعر تماما عن أية ألفاظ مباشرة، ويتحدث عن الشهيد بهذه اللغة، بها الشكل، مما يجعل المتلقي العادي يشعر وكأنه يتحدث عن عريس حقيقي، وليس عن شهيد.وكتب المثنى الشيخ عطية / سوريامن يشهد إبادةً جماعيّة بأعتى أسلحة القتل، وأطفالاً لم يعدْ نبش الأنقاض بأيدي الأمل مجدياً لمنحهم نفساً تحتها بعد شلل الآلات، ومقاومةً تصل إلى رمي طيارةٍ مسيَّرةٍ بعصا أخيرةٍ، وفناً يجسّد المقاومة بذراعٍ لا مفرّ من ضرب العدو بها بعد أن سقطتْ، لكسر الحصار بالحصار وفق شاعر المقاومة محمود درويش/ دون حصره بذلك؛ ثم يشهد عودةً يرتجف لها قلب العالم، حبّاً أو خوفاً، لأهالي شمال غزة إلى بيوتهم المدمّرةِ، يقيمون فوق أنقاضها خيم البقاء والتمسك بالأرض…من يشهد ويشهد ويشهد ما لا يمكن مشاهدتُه إلا بالأساطير؛ لن يكون بوسعه سوى أن يفهم سرّ تمسّك الفلسطيني بأرض آبائه وأجداده وأسلافه، وسوى أن يبحث في هذا السرِّ إن لم يسعفْه الفهم. وسوى أن يقف ربّما مكان ذلك «اليوتيوبر» الأمريكي الذي شكر إسرائيل، ليس على ارتكابها المجازر الجماعية، وإنما على تعريف العالم بجمال الفلسطينيين، فيما يسلكون ويقاومون ويحبّون الحياة ولا يستسلمون للموت.وفي النهاية لا يسع من يشهد سيرة ومسيرة الفلسطينيين منذ «البقجة» الأولى في آدابهم، إلا أن يُعجَب ويشكرَ هذا الأدب على منح الإنسان ميّزة التماهي بالأرض، والتشابكَ بتفاصيل طبيعتها التي تجسّدُ تكوين الإنسان به، وتفتحُ هذا التكوين على التواضع وإشاعة السلام في الأرض. إن لم تفتحْه أكثر إلى تفكير الإنسان بوجوده، ومن أين أتى، وإن لم يكن سوى ذرّةٍ من غبار النجوم الذي يردّد بصمتِ خلاياه صوت الانفجار الكبير.في تاريخ آداب الفلسطينيين، التي تجاوزت تصوير فعل المقاومة بمباشرة الحديث عنها دافعةً الآخرين إلى اختزال صورة الفلسطيني بالمقاوم والشهيد والإرهابي، انتبَه الفلسطينيون وعلى رأسهم شاعرهم محمود درويش إلى خطورة اختزال الصورة وحصرها، ففتحوا أسوارها مثلما فعل في مجموعته الشعرية «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق». وأعادوا ابتكار ما وجدوا أنفسهم عليه، وما يكمل صورة الفلسطيني كجزء لا يتجزأ من أرضٍ تُفلَح وتنبِت الأشجار وتُفتِّح الأزهار وتخلُق بيئةً متوائمةَ الكائنات والموجودات. بقيم عاليةٍ في احترام قيم العائلة وإكثار ما يُنتج الحياة، وبإنسانٍ يتألّم لما يفقد من بيتٍ أو شجرةٍ أو حتى صوتِ هديل حمامةٍ كانت تخلُق ألفة الكائنات في بيته. مقابل صورة مغتصب الأرض التي يعيث فيها خراباً لأنها ليست أرضه وليست جسده الذي تكوّن منها.وفي إعادة الابتكار هذه خفَتَ إيقاع شعر التفعيلة العالي النفير إلى همس قصيدة النثر في الغالب، إلى جانب ابتكار التفعيلات الهادئة المعبّرة عن الصورة الشاملة للفلسطيني في قصيدة التفعيلة، ولم يكن عصر تكنولوجيا الاتصالات بعيداً عن هذا التحوّل الذي فتّت الشاعر النجم إلى نجوم صغيرة لكنها بالغة التأثير في تجسيد الصورة الجديدة، من جميع الزوايا التي يجد كل شاعر نفسه فيها. ومن ذلك مجموعة الشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري التي وضع لها عنواناً يكاد يشمل جميع قصائد المجموعة في ظلّه: «ما ظلّ منّي»، التي يجسّد فيها صورته ممثِّلة لصورة الفلسطيني، «الذاتية» بخاصية وجوده طفلاً تتجذّر حياته ممتدةً في أرض وطبيعة وسماء قرية «عرّابة» الفلسطينية قرب جنين. و«الجمعية» التي تشمل الآخرين من جيرانٍ وحبيبات وأصدقاء ومكافحين من أجل الحرية ومعتقلين وشهداء، في تمازج الذاتين ببعضهما وبالذات الكونية الممثِّلة للمكان كطبيعة وموجودات تتخلّل روح الكائن لتخلقَ ما يمكن تسميته بروحية المكان.وتتجلّى هذه الروح في القيم لتبقى عصيّة على الزوال، وإن غامت صورتها بفعل أفعال المحو العنصري، وتأثيرات الزمن. ويمكن للقارئ اقتطاف الكثير الذي يمثل تشابك الروح في المجموعة ومن ذلك صورة استيقاظ الموجودات برسم الصورة الأيقونية للأب في هذا الجزء من قصيدة «ترتيل»، حيث:«عندما يبدأ أبي صلاة الفجرتصحو البيادروالطيور الدافئةوصليبة القمحمن تحت شادر الخيشتصحو شتول الزعتروهمهمات الرعاةوتهليلةٌ تتهدّج بالصوت الناعستستقدم الملامحمن بين الشقوق الطالعةمن صوته؛ زيتاً يضيءبقايا العتمة».صورةٌ فردوسية رغم آثار الرصاص:عبر مائة وأربعٍ وثلاثين قصيدة نثرٍ تتوالى بغالبية طول صفحة واحدة للقصيدة وتصل إلى ثلاث صفحات في أطولها، وبدءاً من القصيدة الأولى، يوضح العطاري أبعاد مجموعته في رسم الصورة الذاتية والجمعية المتشابكة له كابن لأرضه، تحت عنوان: «أنا»، وبتداخل لا يتكرّر كثيراً مع التراث القرآني، في آية سورة التكوير حول الشمس والصبح، حيث: «أنا الصبح الذي تنفّسَ؛ تنفّس تراب المقاثي من ثوب أمّه، واغتسلتُ بالعشب المغمّس بالندى، ويمّمت وجهي شطر الشمس؛ الشمس التي تكوّرت في العلا، وأنشدتُ أغاني الخلاص من حناجر السارحين المعفّرين بالوعود».وعبر القصائد التي يتوالى ثلثها الأول تقريباً برسم ثلاثية العائلة، الأم والأب والطفل، يقوم العطاري بنسج ثوب المكان الفلسطيني، بروح الأمّ التي تتبدّى أمّاً كبرى دون إفصاح عن ذلك سوى بنبض الموجودات من إشراقة ابتسامتها، موسيقى ضحكتها، خُبزِ وزيتِ وزعترِ عنايتها بأبنائها، ونشرها عطر الحياة بورد رائحتها. وإكمال نسج الثوب بأيقونية الأب كحامٍ للعائلة وموقِظ لموجودات حياتها بقيمه المتوارثة من أجداد ينبض بذكر أفعالهم في بناء المكانِ المكانُ، حرثاً وشجراً ونماءً للكائنات، مع تركيز مفردات أدوات الصنع، مثل الفأس والمنجل، وأدوات القيم، مثل العكاز الذي يهشّ به الزمن.وإتمام النسج بنفسه/ الطفل المتشابك مع الموجودات التي صنعتها الطبيعة من حيوانات يأتي في مقدمتها الغزلان والحمام، ومن نباتات تضمُّ عموم أشجار وازهار فلسطين من زيتون وليمون ورمانٍ ووردٍ ونرجس، بما في ذلك الشوكران السام. ومع المصنوعات التي يوجِدها الأبوان لنماء وتطور الابن والأجيال،/ الطفل الذي يتنفس كلّ تلك الحياة ويجسّدها في وجه الغياب المتولّد من أفعال سرقة الأرض ومحاولات محو تفاصيل حياتها لتدمير الذاكرة، في ما ظلّ منه بعد التهجير والاحتلال والزمن، ويحاول القبض عليه وتجسيده.فيما يتوالى من قصائد، يوسّع العطاري أبعاد تشابكات مكانه، إلى الشهداء، مثل الأخ في الصورة التي تكلمها الأم بمسح شفتيها لها، في قصيدة «صورة»، حيث: «أمي كانت تمسح الصورة بشفتيها/ وبشيء من الكلام/ صورة على الجدار كان أخي/ أخي الذي نسيه الوقت/ ولم يذكر في كتاب الحرب». والشهداء: في قصيدة «صوت النرجس»، الذين «يزهرون في المواسم يعودون…/ كلما تعالى صوت النرجس/ في الشتاء الباكر.» وقصيدة «ظل النارنج الحزين»، الذين: «يرحلون كأنهم سرب قطا،/ في مواسم القبور،/ في خميس الكعك المخمَّر بالدموع وبالنواح.». وفي قصيدة «وطن»، المخاطب بـ: «يا وطن السيرة والمسيرة/ خذ بالشهيق عطرهم/ واكتمه كي نحفظ العتمة/ نحفظ في العين ضوء الطريق».ثم المقاومون والمعتقلون، كما في قصيدة «الفتى الأملح»: «المعصوب العينين، الأملح في مشيته،/ رافع الرأس، يعاين الريح،/ الريح التي شربت بحرنا المأسور،/ وحملت الغيم في عتم الطريق الطويل». ثم الحبيبة المعجونة بعطر ورد فلسطين وقمحها في تجليات حبّ الطفولة على مقاعد المدرسة والصبا والشباب.وفي كل هذا الامتداد، تختفي المباشرة في الحديث عن المقاومة والاستشهاد، والحب، إلى عالم تبرز فيه فردوسية فلسطين، من غير دم مباشر ومن غير وحشٍ مباشر يمحق البشر والحجر، لكن ظلَّه موجود في جرائم التغييب الذي يحاول الشاعر إيقافه بذكريات تعاني هي الأخرى من التشوش، مثل ما ظلَّ بعد النجاة، في زوغان ماهيته، إذ: «ويحدث أنْ نجوتُ؛/ وحملتُ ذاتي المنتصرة/ بين قوسين كما ادّعيتُ/ وارتفع بي المقامُ/ وارتفع المقام بي/ ورميتُ/ من بين السّخامِ/ بصري وابتسمتُ/ وابتسمتُ على ما ظلّ من لا شيء لي/ وما ظلَّ منّي ضلّ/ وقلت انتصرتُ!».صورةٌ فنيةٌ لأبعاد المكان والرعوية:لم يخطئ الناقد فخري صالح على الغلاف الأخير لمجموعة «ما ظلَّ منّي»، في توصيف وكشف أبعاد موضوعها بعميق الرؤية، وبالأخص توصيفه للأمّ التي تبدو صورتها: «كروحٍ حارسةٍ للذاكرة والمكان، ومشبعةٍ برائحة الأرض، والوجه الآخر للطبيعة الحانية، المقاومة لمحاولات المحو والطرد خارج الجغرافيا والتاريخ». كما لم يخطئ في توصيف صوت الشاعر الرعوي الذي: «تحضر في كتابته عناصر الطبيعة والبيئة، والأرض ونباتاتها وفصولها ومواسمها، وما يتصل بدورة الحياة في الريف الفلسطيني». ولا يخطئ القارئ في تكملة قراءة هذه الصورة وفق أبعادها الفنية التي تتناول مزايا قصيدة نثر العطّاري، وخصائص وضعها في مكتشفات ما وصلت إليه قصيدة النثر باستخدام الحكاية والسخرية وقفلات الدهشة التي تقلب المفاهيم في تراكب الجمل الشعرية، واستخدام طريقة الكتابة الآلية في تعميق الرؤية لما يفصح عنه الداخل كما يحدث في الأحلام، والصياغةِ اللغوية التي نجح العطاري في خلق تناغمها مع موضوعه، إضافة إلى المواصفات الإيقاعية الموسيقية التي يخلقها التراكب اللغوي في القصيدة، ويعبّر بها عن خصوصية الشاعر.وفي هذا يمكن للقارئ أن يلمس اعتماد العطاري في معظم قصائد المجموعة على الجملة القصيرة الواضحة، مع غلبة التركيب الأحادي للجملة الشعرية في توخّي الشاعر اعتماد البساطة في التعبير عن البيئة، وابتعاد الشاعر عن خلق الدهشة في قفلات القصائد، للتناغم مع هذه البساطة ربّما.كما يمكن للقارئ لمس مداخلات الشاعر في عددٍ من القصائد، مع التراث الديني كما قدمنا في تداخله مع سورة التكوير، ومع النبي نوح في التساؤل الذكي عن غياب المنطق في نوعية ركّاب سفينته، بقصيدة «الغرباء»، حيث: «لماذا فعلتها يا نوح/ ومَنْ هؤلاء؟/ كنتَ قد حمَلْت معك/ من كل زوجين اثنين/ فيهما النقاء والصفاء/ والقلبُ الحسن/ والإيمانُ ثالثُهما/ والطائرُ الغرّيد/ والشجرُ الظليل/ لماذا فعلتها يا نوح/ ومن هؤلاء الغرباء؟».وكذلك التداخل مع التراث الثقافي الإنساني الذي يتفاعل فيه مع الثوري الشهير أرنستو تشي غيفارا، الذي هو: «بطل ليس من بلادي،/ لكنّه كان ابن أمي حين سألتُها عن إخوتي».ومع بيت شعر أمير الشعراء أحمد شوقي: «وللحرّية الحمراء بابٌ/ بكلِّ يدٍ مضرّجة يدقُّ» في تعبيره عن دعم الشعب المصري للثورة السورية الكبرى عام 1926، في تعبير العطاري عن اليأس بقصيدة «اسم»، حيث: «يبحث عن قفل للباب العنيد،/ والبابُ يُدَقّ بمضرَّجةٍ/ اسمها الشهيد تلو الشهيد».وعلى صعيد تكوين القصيدة يمكن للقارئ أن يلمس إكثار العطاري من واو العطف التي تثير السرد، ومن إكثار تكرار الكلمة بأل تعريفها بعد كلمة تنتهي بها الجملة، كما يرى القارئ في الأمثلة السابقة، ربّما لتأكيدها في الذاكرة، واعتماد ذلك أسلوباً، لكنه من جهةٍ أخرى، يثير تساؤلات القارئ إن كانت ذاكرتُه بحاجة إليه.وكتب محمد علي طه:صباح الخير وصباح عرابة، التي حملتني برمانها وقمحها وابارها ورائحة خبزها الطالع من الطابون. وهذه النصوص الجميلة التي هي شعر خالص، ونثر رائع، وفن اصيل صادق يقول لي ولكل قارىء: انا الفلسطيني.. انا غسان.. وانا عبد الرحيم.. وانا الشموط.. وانا درويش.. وانا البقاء والصمود.. وانا الحب والندى والزعتر والسنديان.اهنئك على هذا السفر الجميل واصارحك بانني اقرا للمرة الاولى كتابا ليس ورقيا.لولا انه شدني.. ولولا انه فن خالص.. ولولا انه للغالي عبد السلام العطاري يتضوع عطره ما غامرت وقرأته.










