بدون مؤاخذة- ترامب وجنون القوّة

ب

جميل السلحوت

 يخطئ من يعتقد أنّ جنون القوّة الّذي يتحلّى به الرّئيس الأمريكي رونالد ترامب في سياساته هو رأيه الشّخصيّ فقط، فأمريكا دولة عميقة تحكمها القوانين، وتقرّر سياساتها مؤسّسات قائمة على دراسات وأبحاث لحماية المصالح الأمريكيّة أوّلا، وتقدّمها لمؤسسّات ذات نفوذ مثل المخابرات الأمريكيّة” سي. آي، إيه” ووزارتي الخارجيّة والحرب. وما الرّئيس إلّا ناطق باسم الدّولة الّتي تديرها هذه المؤسّسات.

والولايات المتّحدة الأمريكيّة الّتي انفردت بالسّيطرة والهيمنة على العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفييتي في بداية تسعينات القرن الفارط، بدأت تشعر بتراجع نفوذها بظهور اقتصادات عملاقة مثل الصّين وروسيا والهند، شرعت منذ عقد من الزّمن في العمل لاستعادة نفوذها. وإدارة ترامب اليمينيّة المتطرّفة تتخبّط بسياساتها في سبيل تحقيق ذلك، معتمدة على إرثها الإمبريالي، والّذي يقوم على قاعدة” ما لا يمكن تحقيقه بالقوّة يمكن تحقيقه بقوّة أكبر.” لذا فقد رفع ترامب شعار” سلام القوّة”. أي استعمال القوّة العسكريّة لتحقيق أهدافها، كما قامت باستبدال اسم وزارة الدّفاع باسم وزارة الحرب، وهذا يعني التّهديد بالقوّة العسكريّة، وقد طبّقت ذلك على فنزويلا باختطاف رئيسها المنتخب وزوجته، وبتدمير المنشآت النّوويّة الإيرانيّة، وبالتّهديد المتواصل لغزو إيران واحتلال غرينلاند الدّنماركيّة، وفي محاولة منها لتحسين اقتصادها فقد فرضت إتاوات بترليونات الدّولارات على بعض الأنظمة الحليفة التّقليديّة لها كدول الخليج العربيّ، تحت زعم تحالفات استراتيجيّة، كما فرضت ضرائب مرتفعة على منتوجات الدّول الأخرى، حتّى أنّ حلفاءها الأوروبّيّين لم ينجو من هذه السّياسة.

وبالنّسبة للقضيّة الفلسطينيّة فإن ما يسمّى خطّة ترامب لإنهاء الحرب على قطاع غزّة فإنّ إدارة ترامب تنفّذ سياسة حكومة نتنياهو بحذافيرها، وهي تدير الصّراع على هذا الأساس، وتعمل على تصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيونيّ التّوسّعي، ففي الوقت الذي تعلن فيه أنّها تعارض ضمّ الضّفّة الغربيّة، فإنّها تغضّ النّظر عن تغوّل التّوسّع الإستيطاني الّذي يسعى إلى منع إقامة الدّولة الفلسطينيّة، وعن اعتداءات المستوطنين على الأرض والإنسان والبلدات والمزروعات الفلسطينيّة، أيّ أنّ ضمّ الضّفة الغربيّة يجري على أرض الواقع دون الإعلان رسميّا عنه. كما تعمل حكومة نتنياهو اليمينيّة المتطرّفة على خنق السّلطة الفلسطينيّة وتدميرها تمهيدا لحلّها من خلال الضّغوطات الإقتصاديّة الّتي تتجلّى بحجز أموال المقاصّة الفلسطينيّة وسحب صلاحيّاتها حتّى في مناطق” أ” حسب اتّفاقات أوسلو. ودعم أمريكا لإسرائيل اللامحدود ليس عبثا، فأمريكا ترى في إسرائيل قاعدة عسكريّة لها للحفاظ على المصالح الأمريكيّة في المنطقة، وقد اعترف نتنياهو أكثر من مرّة بأنّ حكومته تدافع عن مصالح أمريكا، وفي خطابه أمام الكونغرس الأمريكي قال” نحن نحارب نيابة عنكم”.

أمّا الأنظمة العربيّة فهي تلتزم الصّمت حفاظا على عروشها.

١٥-٢-٢٠٢٦

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات